تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
قوله تعالى :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 17 ]

وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ( 17 ) قوله : ( وكثيرا أهلكنا من القرون بيان لكم وتمييز له ) وكثيرا الخ أي كم خبرية من القرون تمييز له فيكون كم منصوب المحل على أنه مفعول أهلكناها . قوله : ( من بعد نوح كعاد وثمود ) من لابتداء الغاية متعلق بأهلكنا ومن الأول زائدة غير متعلق معنى قيل ولاختلاف معنييها في الموضعين جاز تعلقها بأهلكنا وكون من الثانية للابتداء غير مقطوع به إذ قد صرح المصنف في سورة الأنعام جواز زيادته في من بعد ومن قبل وقد صرح في مغني اللبيب أيضا فمن ح زائدة في الموضعين لما ذكر نوح عليه السّلام في أول السورة قيل من بعد نوح ولم يقل من بعد آدم وشيث عليهما السّلام مع أنه أول نبي حلت تقومه العقوبة العظيمة كعاد وثمود أي قوم هود أي قوم صالح . قوله : ( وكفى بربك ) الباء زائدة كما مرّ الباء في بذنوب صلته كفى عباده في مثل هذا المقام ليس للتعظيم بل للتوبيخ . قوله : ( يدرك بواطنها وظواهرها ) « 1 » بواطنها معنى خبيرا وظواهرها معنى بصيرا وفائدة الجمع التنبيه على أن أسرارها ما ظهر منها سيان في تعلق العلم . قوله : ( فيعاقب عليها ) أشار به إلى أن فائدة الأخبار بكونه خبيرا كناية عن أخبار عقابهم عليها وأن المراد التعلق الحادث الذي عليه الجزاء وهو العلم بأن الذنوب قد وجدت الآن أو قبل لا التعلق القديم الذي هو العلم في الأزل بأن الذنوب ستقع من هؤلاء العباد . قوله : ( وتقديم الخير لتقدم متعلقه ) وهو الباطن المعلوم فإنه مقدم إما في الوجود كالنسبة والخلق فإن النسبة لا جرم مقدمة على الأعمال المنوية والخلق سواء كان حسنا أو قبيحا منشأ الأعمال الحسنة والسيئة والإيمان مقدم على سائر الأعمال والأركان فلا حاجة إلى القول بأنه مقدم رتبة فإن العبرة في الطاعة والعصيان للبواطن ففي الحديث أن اللّه لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم بل ينظر إلى قلوبكم ونياتكم وإن شئت فاجمع بينهما والارتباط بما قبله هو أن فيه تنبيها على أن سبب الهلاك الذنوب وإنه لا يخرج عن علمه مثقال ذرة من صغيرة وكبيرة . قوله : يدرك ظواهرها وبواطنها لف ونشر غير مرتب فإن ظواهرها ناظر إلى معنى بصيرا وبواطنها إلى معنى خبيرا قدم الظواهر في التفسير مع أن البصير مؤخر ذكرا وآخر البواطن مع أن الخبير مقدم في الذكر لأن المدركات بالبصر اظهر وإدراكها أسرع وأقدم بالنسبة إلى المدركات بباقي الحواس .
هامش
( 1 ) خبيرا بصيرا تمييز أن عن النسبة وقد عرفت قريبا أن مثل هذا التمييز فاعل مجازا لاشتماله الفاعل الحقيقي فإن الخبر والبصر والخبير والبصير مشتملان لهما .