تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
وبين كون المراد قدره والعمل لأنه مناسب لما قبله هناك وأما هنا فالمناسب تعميم العمل إلى الخير والشر وإلى القدر أيضا ولك أن تقول الواو بمعنى أو أي أو ما قدر له . قوله : ( كأنه طير إليه من عش الغيب ووكر القدر ) كأنه الخ إشارة إلى أن الطائر مستعار له أي كأنه ما قدر له وإفراد الضمير يوهم أن المراد بالعمل ما قدر له لا العمل الذي عمله وكتب ويؤيده قوله كأنه طير إليه من عش الغيب العش كالوكر مقر الطير الذي يختفي فيه . قوله : ( لما كانوا يتيمنون ويتشاءمون بسنوح الطائر وبروحه استعير لما هو سبب الخير والشر ) كانوا أي أهل الجاهلية يتيمنون من اليمن ويتشاءمون من التشاؤم بسنوح الطائر والسنوح مرور الطير من الشمال إلى اليمين والبروح عكسه توضيحه ما ذكره الزمخشري في سورة النمل من أنهم كانوا يتفاءلون بالطير ويسمونه زجرا فإذا سافروا ومر بهم طير زجروا فإن مر بهم سانحا تيمنوا وإن مر بارحا تشاءموا ولذا سمي تطيرا فلما نسبوا الخير والشر إلى الطير استعير استعارة تصريحية لما هو سبب الخير والشر لما بينهما من المشابهة وما هو سبب الخير والشر قدر اللّه تعالى وعمل العبد ولذا قيل طائر اللّه لا طائرك أي قدر اللّه تعالى الغالب الذي هو ينسب إليه الخير والشر لا طائرك الذي تتشأم به وتتيمن والمشبه به كونه سببا للخير والشر على زعمهم فاستفدنا منه أن المشبه به لا يلزم أن يكون وجه الشبه متحققا فيه في الواقع بل يكفي تحققه في زعم الزاعم كيف لا ولا يلزم أن يكون نفس المشبه به متحققا في نفس الأمر بل يكفي في التشبيه والاستعارة فرضه كما قيل في قوله تعالى :
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
[ البقرة : 7 ] كما في الكشاف فلا تغفل . قوله : ( من قدر اللّه وعمل العبد ) بيان لما الموصولة المراد به ما قدره لا نفس القدر لأن قوله كأنه طير إليه من عش الغيب وذكر القدر لا ينتظم بنفس القدر وهو ظاهر والتصدي لتصحيحه بأنه بيان لأنه يستعار للعمل لأنه سبب الخير والشر كما يستعار للقدر لأنه السبب الأصلي أو سبب السبب سبب ذهول عن قوله المذكور من قوله كأنه طير إليه أي إلى الإنسان والقدر نفسه لا يطير إليه من وكر القدر « 1 » فيلائم كلامه بما سبق وأن بقوله وما قدر له عمله فالعطف عطف تفسير أو المراد بالعمل المكتسب المكتوب وما قدر له العمل الذي سيفعل فتأمل وتفطن أن نفس القدر بمعنى القضاء لا يستعار له طير واطلاق القدر على المقدر شائع ذائع قيل وفي كلامه ما يشعر بأن فيه استعارة تصريحية كالمكنية التي تلزمها التخييلية بتشبيه الغيب والقضاء والقدر بوكر وعش وهو مقر الطائر الذي يختفي قوله : لما كانوا يتيمنون إلى آخره كان الرجل يخرج مسافرا فيمر بطائر فبرحه فإن مر سانحا تيمن وإن مر بارحا تشاءم فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير الطائر لما كان سبب الخير والشر من قدر اللّه وقسمته ومن عمل العبد الذي هو سبب في الرحمة والنعمة .
هامش
( 1 ) لأن نفس الشيء لا يطير إليه .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 458 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر