قوله : ( وقد برهن في الكلام أن الأجسام متساوية في قبول الأعراض وأن اللّه تعالى قادر على كل الممكنات فيقدر أن يخلق مثل هذه الحركة السريعة في بدن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو في ما يحمله ) إن الأجسام متساوية الخ بناء على أن الجواهر الفردة التي يتركب الأجسام منها متحدة الحقيقة في كل جسم فكل جسم يقبل من الأوصاف والأعراض ما يقبل الجسم الآخر ولا فرق في ذلك كون الجسم لطيفا أو كثيفا أو مختلفا مركبا منهما وغرض المصنف الزام المنكرين له بناء على ادعاء الاستحالة لا اثبات المعجزة وقد تقرر في موضعه أن ما ورد في الشرع إن لم يجوز العقل له ولم يحكم بإمكانه يحتاج إلى التأويل وإلا فيحمل على ظاهره فلما رد في النظم الجليل الإسراء من المسجد الحرام إلى بيت المقدس فاحتيج إلى إمكان الحركة السريعة وقطع المسافة البعيدة في مدة قليلة في الحمل على ظاهره فحاول المصنف بيان إمكانه فقول البعض على ما نقله البعض من أرباب الحواشي من أنه لا وجه له وليس اثبات المعجزة محتاجا لمثل هذه الترهات من إساءة الأدب مع السلف نعم يرد عليه أن كون الأجسام متساوية مذهب البعض وأما عند البعض الآخر فالجواهر الفردة متخالفة الماهية فلا تكون الأجسام متساوية فلا يتم ما ذكره لكن بيان المقصود على مذهب بعض يكفي في اثبات المرام وإن لم يكن كون الأجسام متساوية مبنيا على كون الجواهر الفردة متماثلة فالأمر واضح وقواعد علم الهندسة ليست من الترهات لأنها من المباحات وما ذكره ثانيا من مسائل علم الكلام كما بينا لا من علم الحكمة حتى يقال إنه من ترهات الفلاسفة ولو سلم فلا منع أيضا لأنه لا يخالف الشرع وقد بين علماؤنا أن ما لم يخالف الشرع من الإلهيات داخل في الكلام ومن الطبيعيات فلم يمنع منه .
قوله : ( والتعجب من لوازم المعجزات ) جواب سؤال مقدر بأنه لما ثبت إمكانه فلا ينبغي أن يتعجب منه فأجاب بأن المعجزات أمور خارقة للعادة فيتعجب منها مع إمكانها لأن التعجب مما خالف العادة لا الاستحالة وهذا مراده ولا يخفى فيه لأن تعجبهم من إخباره به لاستحالة المخبر به والإخبار ليس من المعجزات والمعجزة هو الإسراء فهم لا يقولون به ولا يتعجبون منه فالأولى في الجواب أن يقال وتعجبهم لشدة شكيمتهم وعدم نظرهم الصحيح فلا اعتداد بتعجبهم وادعاء استحالهم .
قوله : ( بيت المقدس فإنه لم يكن حينئذ وراءه « 1 » مسجد ) فسمي بالأقصى بمعنى النهاية والأبعد بالنسبة إلى من بالحجاز ثم بقي هذا الاسم وإن كان وراءه مسجد .
قوله : ( الذي باركنا حوله ببركات الدين والدنيا لأنه مهبط الوحي ومتعبد الأنبياء من لدن موسى عليه السّلام ومحفوف بالأنهار والأشجار ) لأنه مهبط الوحي إشارة إلى بركات الدين ومحفوف إلى بركات الدنيا ولذا اختير نون العظمة .
قوله : ( كذهابه في برهة من الليل مسيرة شهر ومشاهدته بيت المقدس وتمثل الأنبياء
هامش
( 1 ) وقيل لأنه ليس وراءه موضع عبادة وقيل لبعده عن الأقذار والخبائث .