بسبب هذا الجواب الصدق بهذا الاسم للمبالغة في كيفية الصدق فإنه صادق كامل في مثل هذا المقام الذي كذب فيه أكثر الناس فصيغة المبالغة للمبالغة في الكيف لا في الكم وهو خلاف الاستعمال ولك أن تقول إن صدقه في تصديق ذلك لكونه بين أظهر الكاذبين مثل صدق كثير صادر عن أشخاص كثيرة كما قيل في قوله
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً
[ النحل :
120 ] الآية فيكون صيغة المبالغة للمبالغة في الكم ولو ادعاء وتشبيها فالأولى إنه من التصديق على خلاف القياس ويؤيده تفريع تسمية الصديق على قوله إني لأصدقه على أبعد من ذلك فالمراد كثرة تصديقه .
قوله : ( واستنعته طائفة سافروا إلي بيت المقدس ) واستنعته أي طلب منه نعته ووصفه إما للإلزام تعنتا أو لظهور حاله وبيت المقدس بالإضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة اسم مكان بوزن مجلس سمي به إما لكونه مكانا يطهر فيه العابدون من أوساخ الذنوب أو لكونه طاهرا من عبادة الأصنام فعلى الأول إسناد الطهر إلى البيت مجاز وعلى الثاني حقيقة هذا باعتبار المعنى الإضافي وإما بالنظر إلى المعنى العلمي اللقبي فحقيقة على كل حال وجاء بيت المقدس بضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال المفتوحة ويقال أيضا البيت المقدس ويؤيده ما قلنا من إضافة الصفة إلى الموصوف .
قوله : ( فجلى له فطفق ينظر إليه وينعته لهم فقالوا إما النعت فقد أصاب فقالوا أخبرنا عن عيرنا فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها وقال تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق فخرجوا يشتدون إلى الثنية فصادفوا العير كما أخبرهم ثم لم يؤمنوا وقالوا ما هذا إلا سحر مبين ) فجلى له على صيغة المجهول من التفعيل أي أظهر له اللّه تعالى حتى شاهده على وجه الكمال فنعته قوله عن عيرنا بكسر العين الجمال قوله جمل أورق أي الأبيض المائل للسواد ولحمه أطيب لكنه ليس بمقبول عندهم لنقصانه في السير والعمل تقدم من القدم من باب علم وأما قدم يقدم في الباب الأول فبمعنى تقدم مثل قوله تعالى :
يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ
[ هود : 98 ] الآية فصادفوا العير كما أخبر فيكون من المعجزات لكونه من أخبار الغيب ومع ذلك لم يؤمنوا فمعنى يشتدون يسرعون في المشي والثنية مكان مرتفع في الجبل يكون طريقا والمراد هنا ثنية مخصوصة يدخل القادم من الشام وقالوا ما هذا أي أخبارهم عن العير وأحوالهم إلا سحر ظاهر لأن السحرة على زعم هؤلاء الكفرة تطلع على بعض المغيبات ظنا منهم إنهم حاذقون في علم النجوم كما هو الظاهر من زعمهم .
قوله : ( وكان ذلك قبل الهجرة بسنة ) وكان ذلك أي الإسراء فصيغة البعد للتعظيم قبل قوله : يقدمها جمل أورق الأورق من الإبل الذي في لونه بياض إلى السواد يشتدون أعلى الثنية يشتدون من الشد بمعنى العدو الثنية طريق العقبة أي فخرجوا يعدون إلى طريق العقبة لينظروا إلى العير ويعرفوا أنها كما وصف ونعت أولا فوجدوا العير كما وصف وأخبر صلّى اللّه عليه وسلّم .