قوله : ( وفيه دليل على أن للمقتص أن يماثل الجاني وليس له أن يجاوز ) فيه دليل على ما قلنا من أن المراد المجازاة بالمثل ومنع الزيادة دون النقصان .
قوله : ( وحث على العفو تعريضا بقوله وإن عاقبتم فعاقبوا وتصريحا على الوجه الآكد بقوله :
وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ
[ النحل : 126 ] أي الصبر خير للصابرين ) بقوله وإن عاقبتم أي إن أردتم المعاقبة وجه التعريض إن أن تفيد الشك « 1 » ولا يقع في كلام اللّه تعالى ابتداء من غير نقل عن المخلوق إلا بالتأويل وهنا التأويل قصد التعريض بأن الأولى العفو وإن لم يعف فلا أقل من أن يكون الانتصار مماثلا له والوجه الآكد القسم وإيراد ضمير الفصل والتعبير بالخير وإيراد الظاهر موضع المضمر إذ الظاهر لهو خير لكم فصرح الصبر ترغيبا له وإشارة إلى علة الخبرية وكون المفضل عليه الانتقام ولو على وجه شرعي .
قوله : ( من الانتقام للمنتقمين ثم صرح الأمر به لرسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم لأنه أولى الناس به لزيادة علمه باللّه تعالى ووثوقه عليه فقال .
قوله تعالى :
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 127 ]
وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 127 )
وَاصْبِرْ
الآية إلا بتوفيقه وتثبيته ) ثم صرح الأمر به فيه إشارة إلى أن قوله ولئن صبرتم في قوة الأمر بالصبر والظاهر أن الأمر هنا للندب والإرشاد يؤيده قوله لأنه أولى الناس الخ لزيادة علمه لقوله عليه السّلام أما إني أعلمكم الحديث أي لزيادة علمه بنصرة اللّه ولطفه وسائر صفاته فهذه الزيادة سبب الصبر على المحن والشدة فلذلك أمر النبي عليه السّلام بخصوصه وإن كان عاما لأمته من حيث إن الأمر به عليه السّلام مستلزم للأمر بأمته قوله : وحث على العفو تعريضا بقوله :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ
[ النحل : 126 ] فإن في كلمة أن الموضوعة للشك والشرط دلالة ضمنية على الحث على العفو فكأنه قيل كان الأولى لكم أن تعفوا وأن لم عفوا بل عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به .
قوله : وتصريحا على الوجه الآكد بقوله :
وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ
[ النحل : 126 ] الآية وذلك ظاهر فإن فيه دلالة ظاهرة على أن العفو خير على أوكد وجه بشهادة اللام في الموضعين وكلمة التفضيل واسمية الجملة في الجزاء الحمد للّه على اسباغ نعمه علينا عموما وخصوصا على توفيق الاهتداء للوقوف عن أسرار معاني كلامه « هذا آخر ما أمليته في حل ما في تفسير سورة النحل ومعاني القرآن لآخر لها فالآن أشرع مستعينا باللّه ومستفيضا بفيضه فيما في تفسير سورة بني إسرائيل » واللّه يقول الحق ويهدي السبيل وأقول .
هامش
( 1 ) قيل لما في أن الشرطية من الدلالة على عدم الجزم بوقوع ما في حيزها فكأنه قال لا تعاقبوا وإن عاقبتم الخ وفيه خدشة لأن إن وقع في كلام اللّه من غير نقل فلا يصح ما ذكره ولأن قوله فكأنه قال لا تعاقبوا ليس بمناسب لأن النهي عن الانتصار غير معلوم .