قوله : ( بالمجازاة على الاختلاف مجازاة كل فريق من الآيتين والمعظمين بما يستحقه ) فيه تصريح بأن الاختلاف بين الفريقين لا بين الفعلين وأن لم يقع بين الفريقين كما اختاره بعض المحشيين تبعا لشراح الكشاف مع اعترافه بأن المتبادر من الآية الاختلاف بين الفريقين وما روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما « 1 » ليس بصريح في كون الاختلاف بين الفعلين وسلم ذلك فلا يعارض ما فهم من الآية الكريمة قوله كل فريق بما يستحقه إن خيرا فخير وإن شرا فشر يؤيد ما ذكرناه .
قوله تعالى :
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 125 ]
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 125 )
قوله : ( من بعثت إليهم ) من الناس جميعا بل الثقيلين سواء بالذات أو بالواسطة ففي حذف المفعول التنبيه على هذا التعميم مع الاختصار فلا يناسب تنزيله منزلة اللازم ليفوت الإشارة إلى العموم بعبارة النص وأما في التنزيل فالعموم مستفاد من انضمام القرينة .
قوله : ( إلى الإسلام ) فسبيل ربك مستعار له وهذا أبلغ من إلى السبيل المستقيم .
قوله : ( بالمقالة المحكمة وهو الدليل الموضح للحق المزيح للشبهة ) بالمقالة المحكمة نقل عن أبي حيان إنه قال الحكمة هو الكلام الصواب القريب الواقع في النفس أجمل موقع انتهى . ولعل مراده الحكمة هنا وإلا فالحكمة إيقان العلم واتقان العمل وقد يطلق على العلم القطعي والظاهر أن إطلاقها على المقالة المحكمة مجاز لكونها معلومة بالعلم الإيقان أطلق الحكمة عليها قوله وهو الدليل الموضح الخ إشارة إلى ما ذكرناه وينكشف منه علاقة أخرى وهي أن الدليل القطعي مفيد وسبب للعلم اليقيني فذكر المسبب وأريد السبب وتذكير الضمير باعتبار الخبر إذ مطابقته للخبر أهم من مطابقة المرجع ولأن تاؤه ليست بمتمحضة في التأنيث كتاء رحمة أو مأول بأن مع الفعل لكونها في الأصل مصدرا والمزيح بمعنى المزيل .
قوله : ( الخطابات المقنعة والعبر النافعة ) الخطابات المقنعة أي الدلائل الإقناعية وهو إيراد ما يقنع به المخاطب مع إنها ظنية تفيد الظن والإقناع التام وبهذا يحصل المرام .
قوله : ( فالأولى لدعوة خواص الأمة الطالبين للحقائق والثانية لدعوة عوامهم ) كما في قوله : والأولى لدعوة خواص الأمة أي الدعوة بالحكمة دعوة الخواص فإنهم لا يقنعون بالحجج الظنية والدلائل الخطابية التي يكتفى فيه بمجرد الظن بالمدلول بل طالبون لثبوت الحقائق بالقواطع من الأدلة التي تفيد اليقين والجزم بالمطلوب والثانية أي الدعوة بالموعظة الحسنة دعوة العوام لما أنهم مقلدون يقنعون بالخطابيان المفيدة للظن .
هامش
( 1 ) حيث نقل أنه قال معنى اختلفوا فيه اختلفوا على نبيهم في ذلك حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت لأن اختلافهم في السبت كان اختلافهم على نبيهم في ذلك اليوم انتهى وكلام المصنف يوافقه وليس فيه ما يدل على أن الاختلاف في الفعلين لا في الفريقين تأمل .