يكون للعقوبة ) وفيه تنبيه الخ يؤيد ما ذكرناه من أن المراد مما حرم على هذه الأمة هنا غير المراد مما حرم على اليهود إذ المراد به الطيبات ولذا قال وإنه أي التحريم كما يكون للمضرة كالتحريم على هذه الأمة وغيرها يكون للعقوبة كالتحريم على اليهود فإن تحريم الطيبات المذكورة في سورة الأنعام عليهم خاصة للعقوبة لا لكونها مضرة وإلا لحرمت على كافة الناس وتحريم غير الطيبات على اليهود للمضرة فالتحريم للمضرة عام لكن المضرة قد تكون بالنسبة إلى وقت دون وقت وعن هذا جرى النسخ وقد أوضحناه في تفسير قوله تعالى :
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ
[ النحل : 101 ] الآية .
قوله تعالى :
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 119 ]
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 119 )
قوله : (
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ
[ النحل : 110 ] ) خبر إن كلمة للتباعد بين الحالين .
قوله : ( بسببها ) فالباء سببية ظرف لغو متعلق بعملوا والجهالة سفه فإن ارتكاب الذنب سفه وتجاهل ولذلك قبل من عصى اللّه فهو جاهل حتى ينزع من جهالته فالمراد بالجهالة السفه لا عدم العلم فقط .
قوله : ( أو ملتبسين بها ليعم الجهل باللّه تعالى وبعقابه وعدم التدبر في العواقب لغلبة الشهوة والسوء يعم الافتراء على اللّه وغيره ) ملتبسين بها أي الباء للملابسة وظرف مستقر وهو الظاهر حتى اكتفى المص بها في سورة النساء ويؤيده قوله ليعم الجهل باللّه تعالى وبعقابه جهلا حقيقيا أو تنزيليا كما عرفته ولا ريب أن هذا الجهل ليس سببا لعمل السوء وهذا مراده ولا يخفى ما فيه إذ لا اشتباه في سببية الجهل بالعقاب بل الجهل باللّه تعالى قوله :
لِيَعْلَمَ
[ المائدة : 94 ] متعلق بملتبسين والتفسير به وعدم التدبر معطوف على الجهل ولغلبة الشهوة متعلق بقوله ملتبسين والظاهر أنه متعلق بعملوا السوء قوله وغيره منصوب عطف على السوء وأراد بهذا البيان الارتباط إلى ما قبله .
قوله : ( ثم تابوا من بعد ذلك ) ثم هنا يفيد التراخي الرتبي وبعد ذلك للتراخي الزماني فلا تكرار وأصلحوا بتدارك ما أفسدوا .
قوله : ( من بعد التوبة ) المدلول عليها بتابوا لم يذكر الإصلاح لأنه من تتمة التوبة والذكر في النظم الكريم اهتماما لشأنه والتنبيه على أن التوبة لم تقع موقعها بدون إصلاح ما أفسدوا فيما يحتاج إلى الإصلاح .
قوله : بسببها أو ملتبسين بها الأول على أن الباء للسببية والثاني على أنها للمصاحبة يثبت على الإثابة إشارة إلى أن الرحمة المدلول عليه برحيم مجاز في معنى الأنعام والرحيم بمعنى المنعم فقوله تعالى :
إِنَّ رَبَّكَ
[ النحل : 119 ] في أن ربك من بعدها
لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
[ النحل : 119 ] تكرير للأول .