مجارات الخصم وهو شائع في كلام الفصحاء وبيان البلغاء تبكيتا للخصم الألد المتعصب قول الرسل
إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
[ إبراهيم : 11 ] من هذا القبيل كما صرحوا به قوله معجز باعتبار المعنى وهو إخباره عن الغيب فهو معجز من حيث اللفظ لما فيه من البلاغة والبراعة بحيث يعجز البشر .
قوله تعالى :
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 104 ]
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 104 )
قوله : ( لا يصدقون أنها من عند اللّه ) بقرينة قوله :
إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ
[ النحل : 101 ] مع أنه يستلزم عدم التصديق بها مطلقا إن أريد بالموصول من علم اللّه أنهم يموتون على الكفر فالأمر ظاهر وإن أريد به الجنس فهو عام خص منه البعض .
قوله : ( إلى الحق ) أي في الاستقبال أي أنهم لا يؤمنون في الاستقبال كما لم يؤمنوا في الحال لما علم أنهم يموتون على الكفر كما عرفته .
قوله : ( أو إلى سبيل النجاة وقيل إلى الجنة ) سبيل النجاة عن العذاب في الدنيا والآخرة وقيل إلى الجنة قيل لعل أو للتخيير في التعبير فإن الحق هو الصراط المستقيم الذي من سلكه نجا ولك أن تقول المراد إقناط هؤلاء الكفار عن النجاة بدون الإيمان وكذا الكلام في دخول الجنة ووجهه أن كل حزب بما لديهم فرحون فأخبر اللّه تعالى بأن اللّه لا يهديهم إلى سبيل النجاة من العقاب ولا إلى الثواب بلا إيمان كما زعمه أصحاب الطغيان .
قوله : ( في الآخرة هددهم على كفرهم بالقرآن بعد ما أماط شبهتهم ورد طعنهم فيه ثم قلب الأمر عليهم .
قوله تعالى :
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 105 ]
إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ ( 105 )
فقال :
إِنَّما يَفْتَرِي
الآية لأنهم لا يخافون عقابا يردعهم عنه ) هددهم الخ . بيان الارتباط بما قبله قوله ثم قلب الأمر الخ نبه به على أن القصر في إنما يفتري واستعمال إنما فيما يعلمه المخاطب بأدنى تأمل ولذا اختبر هنا على ما وإلا وصيغة المضارع للاستمرار وفي قوله
الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
إشارة إلى علة الحكم وافتراؤهم إشراكهم وإثبات بعضهم الولد له تعالى وغير ذلك من عدم إيمانهم بآيات اللّه وقولهم إنما أنت مفتر ولما كان الكفار قصروا الافتراء على الرسول عليه السّلام حكم اللّه تعالى بأن الافتراء مقصور عليهم لا يتجاوز إلى النبي عليه السّلام وهذا معنى قصر القلب .
قوله : لأنهم لا يخافون عقابا التعريف في الكذب تعريف عهدي والمعهود الكذب المذكور في قولهم إنما أنت مفتر فبذلك صح معنى الحصر المعنى ما يفتري ذلك القول الكذب إلا الذين لا يؤمنون ولو حمل التعريف فيه على الجنس أشكل أمر الحصر لوجود مفترى الكذب غيرهم بناء على صدور افتراء الكذب عن بعض من يدعي أنه مؤمن .