تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
قوله تعالى :

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 97 ]

مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 97 ) قوله : ( بينه بالنوعين ) فيه إشارة إلى أن لفظة أو للتنويع هذا اصطلاح العربية والأصول حيث أطلقوا على الصنف النوع ولما كان الذكور والإناث متباينين في أكثر الأحكام عدا نوعين « 1 » كذا في الأصول . قوله : ( دفعا للتخصيص ) أي بحسب الظاهر وإلا فلا تخصيص إذ في أكثر المواضع اكتفى بذكر الذكور مثل
أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
[ البقرة : 43 ] مع أنه شامل للإناث بطريق التغليب . قوله : ( إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة في استحقاق الثواب وإنما المتوقع عليها تخفيف العقاب ) والصحيح عدم تخفيف العذاب وتخفيف عذاب « 2 » أبي طالب من خصائص نبينا عليه السّلام ولذا قال وإنما المتوقع ولم يجزم به إذ النصوص الدالة على عدم التخفيف أكثر من الدالة على التخفيف مثل قوله تعالى :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ
[ الزلزلة : 7 ] وقد قال بعضهم بأن من الأولى مخصوصة بالسعداء والثانية بالأشقياء أو المشروطة بعدم الإحباط فلا دلالة فيه على التخفيف فالصحيح عدم التخفيف . قوله : ( في الدنيا يعيش عيشا طيبا فإنه إن كان موسرا فظاهر وإن كان معسرا كان يطيب عيشه بالقناعة والرضاء بالقسمة ) أي بما قسمه اللّه قال تعالى :
نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ
[ الزخرف : 32 ] الآية وقدره في علمه أزلي وبذلك ينشرح صدره ويطيب حياته . قوله : ( وتوقع الأجر العظيم في الآخرة ) على صبره على مشاق الإعسار إذ به لا يصل بعض مقاصده وفيه إشارة إلى أن الفقراء الصابرين أفضل من الأغنياء الشاكرين ولهذا مدخل تام في كون الحياة طيبة فإن معناها عدم الاضطراب وجمعية الخاطر وسلامة القلب عن كدر العيش والتوقع المذكور سبب قوي لذلك . قوله : ( بخلاف الكافر فإنه إن كان معسرا فظاهر وإن كان موسرا لم يدع الحرص وخوف الفوات أن يتهنأ بعيشه ) بخلاف الكافر وكذا المؤمن الفاجر فإن المؤمن المذكور من عمل صالحا قوله أن يتهنأ بالهمزة في آخره وقد يبدل ألفا مفعول لم يدع من هنأ الطعام وحاصله لم يترك حرصه أن يقنع بعيشه بل يمسي فقيرا مضطرب الحال ويصبح فقيرا مشتت البال .
هامش
( 1 ) كالإنسان والفرس عند أهل الميزان وعند أرباب الأصول الإنسان ونحوه جنس تحته نوعان متباينان . ( 2 ) وحديث أبي طالب أنه أخف الناس عذابا محمول على ما ذكرنا من خصائصه عليه السّلام ويمكن أن يقال إن تفاوت عذاب الكفرة بحسب تفاوت شرورهم زيادة بضم المعاصي إلى الكفر ونقصانا بانتفاء الضم المذكور وبهذا يأول قوله تعالى :يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُومن يضاعف له العذاب بانضمام المعصية إلى الكفر يكون عذابه أشد بالنسبة إلى من يعذب بالكفر فقط فيكون عذابه خفيفا بالنسبة إليه وإن لم يخفف العذاب المستحق لكفره وبهذا حصل التلفيق بين النصوص والأدلة هذا ما خطر بالبال والعلم عند اللّه الملك المتعال .