فالقراءة فيها كذلك وبهذا ينحل ما خطر بالبال إن تكرر السبب أو العلة يوجب تكرر المسبب كتكرر وجوب الغسل بتكرر الجنابة وجه الانحلال أن في القراءة إرادتها غير متكررة وكذا القراءة غير متكررة .
قوله : ( وتعقيبه لذكر العمل الصالح والوعد عليه إيذان بأن الاستعاذة عند القراءة من هذا القبيل ) أي من قبيل العمل الموعود عليه بالحياة الطيبة وبهذا يظهر ارتباطه بما قبله الخطاب للرسول عليه السّلام للدلالة على فضل هذا العمل مع أن المقصود « 1 » أمته لأنه عليه السّلام مصون عن الوساوس لكن خوطب به النبي عليه السّلام تنبيها على عظم شره وشدة مكره حتى أمر بالاستعاذة منه بأن لا يتوقع منه تأثير وسوسته ولك أن تعم الخطاب لكل من يصلح الخطاب لكن يفوت المبالغة المذكورة .
قوله : ( وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه قراءة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم فقال قل أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبريل عليه السّلام ) قيل كذا رواه الثعلبي والواحدي ولم يتعقبه العراقي في تخريجه .
قوله : ( عن القلم عن اللوح المحفوظ ) الظاهر أن المراد القلم الأعلى وفي الكشاف « 2 » القلم الذي نسخ به عن اللوح واللّه أعلم بصحته .
قوله تعالى :
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 99 ]
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 99 )
قوله : ( تسلط وولاية ) أي السلطان هنا مصدر بمعنى التسلط وعطف ولاية عطف تفسير وإنما حمله عليه لقوله تعالى :
لَيْسَ لَهُ
[ النحل : 99 ] وله يقتضي أن يراد المصدر .
قوله : ( على أولياء اللّه تعالى المؤمنين به والمتوكلين عليه فإنهم لا يطيعون أوامره ولا يقبلون وساوسه إلا فيما يحتقرون على ندور وغفلة ولذلك أمروا بالاستعاذة فذكر السلطنة بعد الأمر بالاستعاذة لئلا يتوهم منه أن له سلطانا ) على أولياء اللّه أي أحباء اللّه أخذ من قوله :
الَّذِينَ آمَنُوا
[ النحل : 99 ] لقوله تعالى : و
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا
[ البقرة : 257 ] فعكسه والذين آمنوا أولياء اللّه وكذا مفهوم من التوكل لأن من فوض أمره للّه تعالى وولاه قوله : هكذا اقرأنيه جبريل عليه السلام عن القلم عن اللوح المحفوظ ذكر في كتب الكلام أن القلم يشبه أن يكون العقل الأول لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم أول ما خلق اللّه القلم ثم قال اكتب فقال ما اكتب فقال القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد واللوح الخلق الثاني ويشبه أن يكون العرش ومتصلا به لقوله عليه الصلاة والسّلام ما من مخلوق إلا وصورته تحت العرش .
هامش
( 1 ) لأنه إذا أمر بالاستعاذة المعصوم فغيره أولى .
( 2 ) حيث قال ولا يراد القلم الأعلى فإنه مقدم الرتبة على اللوح بالنص وإنما أريد به القلم الذي نسخ به من اللوح ونزل به جبرائيل عليه السّلام دفعة إلى السماء الدنيا كان النسخة عنده عن اللوح المحفوظ والقلم مع أن النسخ المتداولة في كلام الشيخين عن القلم وعن اللوح المحفوظ على أن التقديم بواو العطف لا يقتضي الترتيب .