والأخيران للمؤمنين أو عام للمشركين وكذا الاحتمال الثالث كالأول لكن عليكم خطاب عام لكافة الناس ولا يبعد تلوين الخطاب حين ظهور القرينة .
قوله تعالى :
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 82 ]
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 82 )
قوله : ( أعرضوا ولم يقبلوا منك ) ولم يقبلوا التبليغ وبيان الحق منك ومعنى الإعراض المعنوي وأعرضوا إشارة إلى أن تولوا ماض غائب فحينئذ يكون التفاتا للإعراض في بيان الإعراض وجوز المصنف في مثله أن يكون مضارعا أيضا على أن أصله تتولوا فحينئذ على أصله لا التفات فيه فيكون فإنما عليك تلوين « 1 » الخطاب وكلمة الشك نظر إلى ما هو في نفس الأمر فإنه محتمل الوقوع واللاوقوع في نفس الأمر .
قوله : ( فلا يضرك فإنما عليك البلاغ وقد بلغت ) أي أديت ما وجب عليك .
قوله : ( وهذا من إقامة السبب مقام المسبب ) إقامة السبب أي سبب الجزاء وعلته وهو وجوب التبليغ مع أدائه مقام المسبب أي الجزاء وهو عدم الضرر في التولي لكن قوله :
فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ
[ النحل : 82 ] كونه علة لقوله لا يضرك بملاحظة أداء التبليغ كما نبه عليه كان هذا القول دال عليه ولذا اكتفى به في عامة المواضع .
قوله تعالى :
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 83 ]
يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ ( 83 )
قوله : ( أي يعرفون المشركون نعمة اللّه التي عددها عليهم وغيرها حيث يعترفون بها وبأنها من اللّه ) يعرفون المشركون من قبيل أكلوني البراغيث « 2 » في نسخة يعرف المشركون وهو ظاهر ففيه التفات على احتمال كون تولوا « 3 » مضارعا مخاطبا وهذه الجملة حال عن الفاعل أو مستأنفة ناعية لكمال شناعة توليهم عن قول الحق وقبوله إذ هذه المعرفة توجب القبول وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية أو للاستمرار قوله التي الخ أي إضافة النعمة للاستغراق دون العهد وسيجيء الإشارة إلى العهد .
قوله : ( ثم ينكرونها ) « 4 » كلمة ثم للاستبعاد .
قوله : وقد بلغت أي وقد خرجت من عهدة ما وجب عليك بالتبليغ .
قوله : وهذا من إقامة السبب مقام المسبب يعني قوله :
فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ
[ النحل : 82 ] دليل الجزاء لا نفس الجزاء والجزاء في الحقيقة فلا يضروك والتبليغ سبب عدم الضرر وعدم الضرر مسبب عنه فحذف الجزاء وأقيم دليله مقامه كما في قوله :
وإن اتفق الأنام وأنت منهم * فإن المسك بعض دم الغزال
هامش
( 1 ) فلا اشكال بأنه لا يلائم قوله عليك .
( 2 ) أي المشركون بدل من ضمير يعرفون أو فاعل له والواو علامة الجمع أو مبتدأ والجملة المتقدمة خبره .
( 3 ) وحاصل الكلام فإن تولوا فقد أديت ما وجب عليك من التبليغ .
( 4 ) إذ المراد بالانكار الانكار التنزيلي كما مر توضيحه .