قوله : ( بعبادتهم غير المنعم بها ) وهذا إنكار فعلي أشنع من الإنكار القولي وأقوى منه وهذا بناء على أن عبادة اللّه تعالى مع عبادة غيره كلا عبادة فمن عبد اللّه تعالى مع عبادة غيره فكأنه عبد غيره ولم يعبد اللّه كما صرح به في أواخر سورة المائدة فمن قاله فيه أن مجرد ذلك لا يوجب إنكار النعمة إلا إذا اعتبر معه عدم عبادتهم للّه تعالى وليس في كلامه ما يفيد ذلك فقد غفل عن ذلك التحقيق .
قوله : ( وقولهم إنها بشفاعة آلهتنا ) وقولهم عطف على عبادتهم أنها أي النعمة بشفاعة آلهتنا وهذا إنكار قولي آخره لأنه دون الإنكار الفعلي وفيه إشارة إلى أن قولهم هؤلاء شفعاؤنا مرادهم الشفاعة في أمور الدنيا فلا يضره إنكارهم الآخرة وهذا جواب آخر للإشكال بأنهم منكرون البعث فيكف تقولون هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه والجواب الآخر المراد الشفاعة في الآخرة إن كانت واقعة ثم إنه كون هذا إنكارا قوليا لأنه إنكار أنها من عند اللّه تفضلا ولطفا .
قوله : ( أو بسبب كذا ) عطف على قوله بشفاعة آلهتنا أي إذا لم يعترف أنها من اللّه تفضلا أجراها عليه بواسطة ذلك كما صرح به في الكشاف .
قوله : ( أو بإعراضهم عن أداء حقوقها ) أو بإعراضهم عطف على قوله بعبادتهم وهذا إنكار تنزيلي مثل ما سبق وجمعه مع الاعتراف بها لا ضير فيه وهذا التكلف بناء على أنه حمل معرفة اللّه تعالى على الاعتراف بها فالمراد بالإنكار تنزيلي لا تحقيقي فلا يتنافيان وإنما حمله على ذلك لأن المراد بالمعرفة ليس معرفة ذات النعمة لأنه لا فائدة فيه بل المراد معرفة أنها من اللّه تعالى .
قوله : ( وقيل نعمة اللّه نبوة نبينا محمد عليه السّلام عرفوها بالمعجزات ثم أنكروها عنادا ومعنى ثم استبعاد الإنكار بعد المعرفة ) نبوة نبينا محمد عليه السّلام فإنها نعمة جسيمة تنسى في جنبها أكثر النعم فالإضافة للعهد والقرينة ما قبلها قوله ثم أنكروها إشارة إلى ما قلنا من أن المضارع في الموضعين لحكاية الحال الماضية ويحتمل الاستمرار مرضه لأن العموم الظاهر المتبادر وأقوى في الذم ونعمة النبوة تدخل فيها دخولا أوليا .
قوله : ( الجاحدون عنادا ) أو هو أشنع مما عداه فيكون فردا كاملا في بابه قيل ويحتمل أن يراد بالكافرين من علم اللّه أنهم لا يؤمنون فيصح وجه قيد الأكثر .
قوله : ( وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لم يعرفوا الحق لنقصان العقل ) لأن بعضهم لم قوله : أو بإعراضهم عطف على عبادتهم .
قوله : ومعنى ثم استبعاد الانكار بعد المعرفة يعني الانكار ليس بعد المعرفة زمانا متراخيا بل هو مع المعرفة فظاهر المقام يقتضي الفاء لكن جيء بكلمة ثم دلالة على استبعاد الانكار بعد المعرفة فثم مستعمل في التراخي الرتبي مجازا ليس المراد به التراخي الزماني .
قوله : وذكر الأكثر يعني كان مقتضى الظاهر أن يقال وهم الكافرون لأن الآية في حق الكفار لكن ذكر الأكثر إما لكذا أو لكذا إلى آخره .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 354
مساهمون: اسماعيل بن محمد القونوي
ص٣٥٤