تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
قوله : ( كي تعرفوا ما أنعم اللّه عليكم طورا بعد طور فتشكرونه ) أشار إلى أن لعلكم استعارة تمثيلية حاصلة كي تعرفوا أو أشار إلى أن لعل بمعنى كي لكنه لم يرض به في أوائل سورة البقرة المعرفة ثابتة باقتضاء النص لأن الشكر يتوقف على المعرفة فإن وجود النعمة بلا معرفة لا يكون سببا للشكر . قوله تعالى :

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 79 ]

أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 79 ) قوله : ( قرأ ابن عامر وحمزة ويعقوب بالتاء على أنه خطاب للعامة ) أي لجميع المخلوقات المخاطبون قبله في قوله :
أَخْرَجَكُمْ . . . .
[ النحل : 78 ]
. . . وَجَعَلَ لَكُمُ
[ النحل : 78 ] وإنما تعرض له لأن الاستفهام الإنكاري يقتضي ظاهرا أن المخاطبين من يعبدون من دون اللّه على طريق الالتفات فأشار إلى أن الإنكار باعتبار اندراجهم تحت العموم فلا يقتضي تلوين الخطاب وأما قراءة الغيبة فباعتبار يعبدون ولم يجعل التفاتا لما عرفت من أن عبدة الأصنام أليق بالتوبيخ المستفاد من الاستفهام الإنكاري . قوله : ( مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المؤاتية له ) مذللات التسخير القهر على الفعل وهو أبلغ من الإكراه فإنه حمل الغير على الفعل بلا إرادة منه كحمل الرحى على الطحن ولذا قال مذللات للطيران بقرينة في جو السماء أي المؤاتية من أتيته بالهمزة ووأتيته بالواو خطأه بعضهم وصححه بعض آخر . قوله : ( في الهواء المتباعدة من الأرض ) تفسير للجو المضاف إلى السماء والجو المطلق الهواء الذي بين الأرض والسماء قيل قال كعب الأحبار إن الطير يرتفع من الأرض اثني ميلا ولا يرتفع فوق هذا . قوله : كي تعرفوا ما أنعم عليكم فيه إشعار بأن قوله عز وجل :
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[ النحل : 78 ] تعليل الجعل لا للإخراج قال صاحب الكشاف في تفسير قوله عز وجل :
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ
[ النحل : 78 ] الآية وما ركب فيكم هذه الأشياء الآلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه والترقي إلى ما يسعدكم تم كلامه معنى الحصر مستفاد من فحوى الكلام وانصبابه في قالب جوامع الكلم وهو أنه تعالى ما خلق الخلق إلا ليعبدون يعرف كقوله ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون فأخبر تعالى أنه أخرجهم من ظلمات الرحم إلى فضاء عالم التكليف وهم غير عالمين لما خلقوا لأجله فخلق لهم سمعا ليسمعوا آياته البينات وبصرا لينظروا إلى الدلائل الدلالة على وجوده وكمال صفاته وفؤادا لتفكروا في آلائه وحكمته فيجعلوها وسيلة إلى ما خلقوا له من الشكر والعبادة كما قال :
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[ النحل : 78 ] فظهر أن هذه الآلات ما خلقت إلا لاجتلاب العلم والعمل به فمن جعلها الآلات لغير ذلك فقد أبطل حكمة اللّه في خلقها وانخرط في سلك أولئك كالأنعام بل هم أضل . قوله : المواتية له أي الموافقة من قولهم اتيته على ذلك الأمر أي وافقته وطاوعته والعامة تقول وأتيته .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 347 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر