تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
أفظع وأشق لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أصعب فكيف إذا جاء من حيث يحتسب الخير وإلى ذلك أشار بقوله :
وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ
[ النحل : 26 ] لفظة من ابتدائية حيث بمعنى المكان ومثل هذا الابتداء لا يقتضي أن يكون له نهاية . قوله : ( لا يحتسبون ولا يتوقعون ) فسر الشعور به إذ هو عبارة عن إدراك المحسوس والعذاب قبل الوقوع ليس من المحسوسات بل من المظنونات المتوقعة وقيل فسر عدم الشعور به لأنه الحس منه لاجتماع الشعور مع العلم بأصل الوقوع إن أراد به ما ذكرنا فيها وإلا فلا وجه له . قوله : ( وهو على سبيل التمثيل ) أي
فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ
[ النحل : 26 ] من القواعد استعارة تمثيلية شبه الهيئة المنتزعة من أمور عديدة وهي تسوية الحيل ليمكروا بها رسل اللّه وتقويتهم بحيث يظن عدم تخلف المكر عنها وانقلاب مكائدهم عليها « 1 » بالهيئة المنتزعة من أمور كثيرة وهي بناء قوم بنيانا بالأساطين المحكمة والقواعد القوية بحيث لا يظن خرورها وسقوطها لأجل استحكامها ثم ضعضع اللّه قواعدهم بسقوط السقف عليهم فهلكوا « 2 » والمشبه به محسوس والمشبه معقول وجه الشبه كون ما جعلوه سببا لبقائهم ونجاتهم سببا لهلاكهم « 3 » من حيث لا يحتسبون ولا يترقبون . قوله : ( وقيل المراد به نمرود بن كنعان بنى الصرح ببابل سمكه خمسة آلاف ذراع ليترصد أمر السماء فأهب اللّه الريح فخر عليه وعلى قوم فهلكوا ) نمرود بضم النون آخره دال مهملة وهو اسم رجل أبله عدو اللّه خاصم مع إبراهيم خليل اللّه عليه صلاة اللّه وكنعان بكسر الكاف والفتح مروي فيه وعن الليث إنه كنعان بن سام بن نوح عليه السّلام بنى أي أمر ببناء الصرح أي القصر وكل بناء عال وبابل اسم ناحية معروفة مذكورة في القرآن قال ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه هي في سواد الكوفة ومنع صرفها للعلمية والتأنيث سمكه أي ارتفاعه وعلوه « 4 » ليترصد أمر السماء أي ليعرف أهل السماء ويقاتل أهلها فهلكوا أي هلك قومه وأما النمرود فعاش بعده وأهلكه اللّه تعالى ببعوضة وصلت إلى دماغه « 5 » كما هو قوله : سمكه أي رفعه هو مصدر سمك المبني للمفعول فيؤول إلى معنى الارتفاع أي علوه وارتفاعه خمسة آلاف ذراع فعلى هذه الحكاية لا يكون الآية من باب الاستعارة التمثيلية بل يكون على الحقيقة .
هامش
( 1 ) ورجوع وخامة عاقبة المكر إليهم . ( 2 ) ثم استعمل عبارة المشبه به في معنى هلاك الماكرين بانقلاب مكرهم . ( 3 ) قيل ومن هذا يعلم أن في المشبه به محذوفا وهو قصد صاحب البنيان المكر بعد وهم حتى يتم لتشبيه انتهى ولا يخفى أن التشبيه في الهيئة لا في مفرداتها غاية الأمر أن اعتبار ما ذكره صحيح لا أنه واجب . ( 4 ) أو ثخنها الذهب في العلو . ( 5 ) اظهار الكمال عجزه وجازاه من جنس علمه لأنه صعد إلى جهة السماء بالنسور فأهلكه اللّه تعالى باخس الطيور .