لا يوافق ما ذكر من المذاهب لأن أول كلامه وإن أشعر أن لا جرم مركب من المجموع وصار معناهما حقا وما بعده في موضع رفع بأنه فاعل الحق لكن آخر كلامه يوهم كون لا نافية ردا لكلام سابق وأشار إلى توجيهه الفاضل السعدي فقال ففي قوله في موضع الرفع بجرم تسامح ومراده بلا جرم فهو من إطلاق الجزء على الكل قوله لأنه مصدر أي لا جرم بمعنى حقا أو بمعنى حق واللّه تعالى أعلم انتهى ففي أول كلامه أيضا تسامح ومراده لا جرم حقا أو حق اكتفى بذكر كونه مصدرا عن كونه فعلا ماضيا وهو تكلف بحت والأولى أن يقال إنه أشار في الموضعين إلى المسلكين ففي الأول أشار إلى مسلك الجمهور على ما اختاره أبو البقاء والثاني أشار إلى أن لا نافية لكن فيه تأمل « 1 » .
قوله : ( فضلا عن الذين استكبروا عن توحيده أو اتباع رسوله ) فضلا أشار إلى أن المستكبرين عام بناء على أنه جمع محلى باللام والاستغراق أصل فيه فيدخل فيه المستكبرون دخولا أوليا بطريق الألوية قوله أو اتباع رسوله قد اختاره فيما مر آنفا وجوز هنا كونه عن التوحيد وقدمه لأنه هو المقصود الأعظم والاستكبار عن اتباع الرسول استكبار عن التوحيد فالاستكبار بمعنى التكبر لا الطلب وقيل ولك أن تحمل الاستفعال على ظاهره وهو الطلب أي لا يحب من طلب الكبر فضلا عمن اتصف به وهذا جيد لو قال فضلا عن الذين تكبروا وأيضا قال المصنف في سورة البقرة والتكبر أن يرى الرجل نفسه أكبر من غيره والاستكبار طلب ذلك بالتشبع في الصحاح المتشبع المتزين بأكثر مما عنده يتكبر بذلك ويتزين بالباطل فالمستكبر متصف به وهو أشنع وأقبح من التكبر وليس الطلب بدون اتصاف كما توهم بعضهم وتبعه غيره ألا يرى أن قوله تعالى :
أَبى وَاسْتَكْبَرَ
[ البقرة :
34 ] الآية صريح فيما ذكرناه وقال في موضع آخر
فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها
[ الأعراف : 13 ] الآية .
قوله : ( وإذا قيل لهم ما ذا أنزل ربكم ) وما ذا فيه وجهان كقولهم ما ذا صنعت كما في الكافية أحدهما أن يكون ما اسم استفهام وذا اسم موصول بمعنى الذي والمعنى أي شيء الذي أنزله ربكم والمطابق في جوابه ح الرفع ليطابق الجواب السؤال في كون كل منهما جملة اسمية والثاني أن يكون ما ذا اسما واحدا مركبا للاستفهام بمعنى أي شيء أنزله محله النصب فينصب جوابه ليطابقه في الجملة الفعلية ولما كان الجواب هنا مرفوعا قيل وجب تقديره بالذي وكلام الكشاف هنا ظاهره مخالف للقاعدة المذكورة وعن هذا تكلف شارحوه وأطنب البعض الكلام فيه ولكونه قليل الجدوى لم تتعرض لحله وجرحه .
قوله تعالى :
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 24 ]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 24 )
قوله : ( القائل بعضهم على التهكم أو الوافدون عليهم أو المسلمون ) أي لبعض على
هامش
( 1 ) لأنه قوله لأنه مصدر يأبى عنه إذ جرم وحده بدون التركيب مع لا كونه مصدرا لم يذهب إليه أحد وكونه مصدرا حين التركيب والتأويل بالمصدر القائم مقام الفعل أو التأويل بنفس الفعل .