التسلسل كما مر تقريره مرادا ولما لم يكن المراد بالطبائع الماهيات لا يلزم أن يكون الماهيات مجعولة مع أن اللازم ليس بمحال على إطلاقه كما فصل في شرح المواقف وأما القول بأن المراد بالطبائع الصفات التي بها يتميز بها الأجسام المتماثلة كما هو مذهب المتكلمين القائلين بتماثل الأجسام فليس بمناسب هنا على أن ذلك مذهب البعض وعند بعض آخر الأجسام متحالفة الماهيات وتوحيد الآية هنا واختيار يذكرون قد علم وجهه مما تقدم على أن هذه الآية كالفذلكة لما قبلها ولذا ختمت بالتذكر ولك أن تقول إن ذلك من قبيل التفنن في البيان فلا يرام له النكتة .
قوله تعالى :
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 14 ]
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 14 )
قوله : ( جعله بحيث تتمكنون من الانتفاع به بالركوب والاصطياد والغوص ) قد مر أن الجماد ليس له تسخير حقيقة فمعناه ما ذكره هنا مجازا لأن ذلك من لوازمه وكلمة من في قوله لتأكلوا منه للابتداء لا للتبعيض ونكر لحما لأنه يخالف ما هو المتعارف من اللحوم في العرف هو السمك وهو مرادف للحوت وما نقل عن الإمام الشافعي من أنه قال في كتابه الأم أن السمك ينتظم ما سوى الحوت من الحيوانات البحرية فلعل مراده من الانتظام على سبيل المجاز .
قوله : ( هو السمك ووصفه بالطراوة لأنه أرطب اللحوم فيسرع إليه الفساد فيسارع إلى أكله ) والرطوبة باعثة للتغير فكلما كان الرطوبة زائدة مشتدة كانت مستعدة لسرعة الفساد وكلما كان الفساد أسرع ينبغي أن يسرع إلى أكله كيلا يضيع وفي وصفه تعالى بالطري الإرشاد إلى أنه ينبغي تناوله طريا بطريق الكناية وهذا من غرائب الكناية التي لا يغفل عنها ليكون الكلام مفيدا لا حسن المرام ولا يكتفي بأنه وصف بيان للواقع قوله فيسارع إلى أكله إجمال ما قررناه من النكتة البديعة الرشيقة وقد قال الأطباء أكله بعد طراوته أضر ما يكون وهذا لا ينافي تقديده وأكله مخللا كسائر اللحوم فإن هذا بالأعمال وإزالة رطوبته بالشمس كالفواكه فإنها مع كمال رطوبتها تبقى زمانا طويلا بسبب اليبوسة بالشمس والطري صيغة مبالغة مفيدة لشدة الرطوبة فعيل من طرا يطرو طراوة وهي ضد اليبوسة .
قوله : ( ولإظهار قدرته في خلقه عذبا طريا في ماء زعاق « 1 » وتمسك به مالك والثوري قوله : ووصفه بالطراوة لأنه أرطب اللحوم قال صاحب الانتصاف وفيه ارشاد لأن يتناول طريا فقد قال الأطباء أكله بعد ذهاب طراوته من أضر ما يكون .
قوله : في ماء زعاق الزعاق بالضم المالح وطعام مزعوق إذا كثر ملحه .
هامش
( 1 ) في ماء زعاق بضم الزاء والعين المهملتين الماء الذي لا يشرب .