على أن من حلف أن لا يأكل لحما حنث بأكل السمك ) « 1 » ولإظهار قدرته حيث علم إنما حدث لا بحسب مقتضى الطبع بل بمحض قدرة اللّه تعالى وحكمته حيث أوجد الضد من الضد وأحدثه وهذا أيضا لازم معناه فلا بد من الحمل عليه .
قوله : ( وأجيب عنه بأن مبنى الإيمان على العرف وهو لا يفهم منه عند الإطلاق ألا ترى أن اللّه تعالى سمى الكافر دابة ولا يحنث الحالف على أن لا يركب دابة بركوبه ) على الصرف أي على ما يتفاهمه الناس في عرفهم لا على حقيقة اللغوية ولا على استعمال القرآن ولذا لم يحنث من حلف لا يجلس على البساط فجلس على الأرض وقد قال اللّه تعالى :
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً
[ نوح : 19 ] حتى أن الثوري رجع عن الحنث بأكل السمك بذلك لأنه لا قائل بالحنث في سورة البساط فرجع عن ذلك أيضا وكون مبنى الإيمان على العرف مذهبنا مذهب أبي حنيفة وعند الشافعي مبناها على الحقيقة اللغوية لأنها حقيقي بأن يراد دون المجاز وعند مالك على معاني كلام اللّه تعالى لأنه نزل على أصح اللغات وأوضحها كذا في كتبنا الفقهية والظاهر من كلام المصنف أن مبنى الإيمان على العرف عند الشافعي لأنه مذهبه ولا ريب في مخالفته لما ثبت في كتبنا وتمام التفصيل في الفقه وأعيد منه في قوله تعالى :
وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ
[ النحل : 14 ] لأنه نوع مغاير للأكل .
قوله : ( كاللؤلؤ والمرجان ) نقل عن تهذيب الأسماء أنه قال المرجان فسره الواحدي بعظام اللؤلؤ « 2 » وقال أبو الهيثم صغاره وقال آخرون هو جوهر أحمر يسمى البهد وهو المشهور في عرف الناس مع أنه قول ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه لكن تفسيره الواحدي أمس بالمقام لكونه أعز الإنعام .
قوله : ( أي تلبس نساؤكم فأسند إليهم لأنهن من جملتهم ولأنهن يتزين بها لأجلهم ) فإسناد اللبس إلى الرجال مجاز لأنهم سبب لتزينهن بها أشار إليه بقوله ولأنهن الخ وأما قوله لأنهن من جملتهم أي مخلوقة منهم أو من جنس الإنسان أو مخلوطة بينهم فعلى أي معنى أريد لا يظهر الملابسة المصححة لكون الإسناد مجازا إلا أن يقال إن المراد الاختلاط قوله : ولأنهن تتزين بها لأجلهم فكانت كأنها زينتهم ولباسهم قال صاحب الانتصاف للّه رد مالك حيث جعل للزوج الحجر على زوجته فيما له من مالها وهو مقدار الثلث فحقه فيه بالتجمل وفي هذه الآية جعل حظ المرأة من زينتها للزوج فجعل لباسها لباسه .
هامش
( 1 ) روي أن أبا حنيفة لما قال لو حلف لا يأكل اللحم فأكل لحم السمك لا يحنث لأن لحم السمك ليس بلحم سمع سفيان الثوري قوله فأنكر عليه محتجا بهذه الآية فبعث إليه أبو حنيفة رجلا سأله عمن حلف لا يصلي على البساط فصلى على الأرض هل يحنث فقال الرجل أليس أن اللّه تعالى قال :وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاًفعرف سفيان أن ذلك تلقين أبي حنيفة .
( 2 ) والمراد بالبحر ماؤه ملح أجاج ويحتمل كون المراد البحر بين أعذب فرات ومحل كما قال تعالى في سورة الفاطروَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّاالآية وإفراد البحر هنا لإرادة الجنس وسيجيء تفصيل البحرين والمراد منهما في سورة الفرقان .