قوله : ( حال من الجميع أي نفعكم بها حال كونها مسخرات للّه تعالى خلقها ودبرها كيف شاء ) حال من الجميع بتأويل سخر ينفع إذ النفع من لوازم التسخير ولذا قال نفعكم بها فالأولى فيما سبق بأن نفعكم بها أو هيأها لمنافعكم هنا قوله خلقها الخ معنى بأمره إذ المراد الأمر التكويني وقيل بيان لتسخير اللّه تعالى إياها إذ حقيقة التسخير وهو السوق بقهر لا يتصور في الجماد .
قوله : ( أو لما خلقت له بإيجاده وتقديره ) أي مسخرات لما خلقت له من المنافع عطف على قوله للّه قوله بإيجاده معنى بأمره لما عرفت أن المراد الأمر التكليفي قوله وتقديره لأن الإيجاد إنما يكون به .
قوله : ( أو بحكمه وفيه إيذان بالجواب عما عسى أن يقال إن المؤثر في تكوين النبات حركات الكواكب وأوضاعها فإن ذلك إن سلم فلا ريب في أنها أيضا ممكنة الذات والصفات واقعة على بعض الوجوه المحتملة فلا بد لها من موجد مخصص مختار واجب الوجود دفعا للدور والتسلسل أو بحكمه ) بيان لأمره أيضا حتى قيل أو في قوله أو بحكمه للتخيير في التفسير والمعنى على الأخير أنها مسخرات لما خلقت له بإيجاده وتقديره أو بحكمه عليها فقوله بإيجاده بيان كونها مسخرات لما خلقت له من المنافع كما أن قوله كيف يشاء مع قوله خلقها ودبرها بيان كونها مسخرات للّه تعالى قدم الأول لتبادره ولكون الكلام مسوقا لبيان قدرته ووحدانيته قوله ودبرها إشارة إلى أنها مسخرات له تعالى في البقاء « 1 » كما أنها مسخرات منقادة له في ابتداء الخروج من كتم العدم إلى الوجود .
قوله : ( أو مصدر ميمي جمع لاختلاف الأنواع ) جواب آخر بناء على المنع كما أن الأول مبني على التسليم توضيحه لما كان ظاهر قوله مسخرات دالا على أن التسخير في قوله حال من الجميع أي من جميع قوله عز وجل :
وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ
[ النحل : 5 ] إلى قوله عز وجل :
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
[ النحل : 12 ] وإنما لم يجعله حالا عن القريب وهو قوله تعالى :
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
الآية للزوم تقييد الشيء بنفسه حينئذ إذ يكون المعنى حينئذ وسخر الليل والنهار والشمس والنجوم مسخرات .
قوله : أي نفعكم بها حال كونها مسخرات معنى النفع مستفاد من اللام في لكم في مواضع عديدة منذ قوله عز وجل :
وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ
[ النحل : 5 ] إلى هذه الآية مع اللام في لتركبوها .
قوله : أو مصدر عطف على قوله حال أي أو مصدر ميمي بمعنى التسخير فإذا كان مسخرات جمع مسخرة مصدرا بمعنى التسخير كان ينبغي أن لا يجمع لأن المصادر لا يثنى ولا يجمع لاغناء وصفها للجنس عن الكثرة والتعدد الدال عليها التثنية والجمع فوجه جمعه هنا القصد إلى الأنواع المختلفة المتنوعة من الجنس فالمعنى سخرها تسخيرات متنوعة .
هامش
( 1 ) لأن الممكنات كما تحتاج إلى العلة حال الابتداء كذلك تحتاج إليها في حال البقاء .