تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
يقصد فيه غالبا أن لا يقصد منه غيره أصلا ) واستدل على حرمة لحومها وكذا شمومها وجه الاستدلال أن الآية واردة مورد الامتنان والأكل من أعلى منافعها والحكيم لا يترك الامتنان بأعلى النعم ويمن بأدناها والمصنف طاب اللّه ثراه أشار إلى الجواب بمنع أن ما ذكر أدنى النعمتين مستندا بأنه من قبيل تعليل الشيء بما يقصد به غالبا ولا يلزم انحصارا لعلية فيه والآية سبقت للامتنان بما يقصدونه وبما ألفوه واعتادوه وهو الركوب هنا وفي الانعام الأكل وسائر المنافع فإن المقصود فيها الأكل والمنافع دون الزينة والركوب فإن الإبل مختص به ومن سائر الانعام والأغراض تتفاوت بتفاوت المحال . قوله : ( ويدل عليه أن الآية مكية ) ويدل عليه أي على ما ذكرنا من أن الأمر كذلك أن الآية إذ السورة مكية وبعض الآيات منها مدنية وليس هذه الآية مما عد من الآيات لمدنية كما سبق تفصيله في أول السورة . قوله : ( وعامة المفسرين والمحدثين على أن الحمر الأهلية حرمت عام خيبر ) احتراز عن الحمر الوحشية فإن لحمها وشحمها حلال حرمت عام خيبر أي في سنة فتح خيبر الآية قالوا منفعة الأكل أعظم من منفعة الركوب ولو كان أكل لحم الخيل جائزا لكان هذا المعنى أولى بالذكر وحيث لم يذكر علمنا تحريمه ولأنه تعالى قال في صفة الأنعام ومنها تأكلون والتقديم يفيد الحصر ثم قرن بعده الحيل مع البغال والحمير وذكر أنها مخلوقة للركوب والزينة ولأن قوله :
لِتَرْكَبُوها
[ النحل : 8 ] يقتضي أن يكون تمام المقصود من خلق هذه الأشياء هو الركوب والزينة ولو حل أكلها لم يكن تمام المقصود من خلقها الركوب والزينة ثم قال أجاب الواحدي بجواب حسن قال لو دلت الآية على تحريم أكل هذه الحيوانات لكان هذا التحريم معلوما في مكة لأن السورة مكية ولو كان كذلك لكان قول عامة المفسرين والمحدثين أن لحوم الحمر الأهلية حرمت عام خيبر غير صحيح لأن التحريم لما كان حاصلا يوم خيبر لم يبق لتخصيصه بذلك اليوم فائدة فقول المص يدل عليه أن الآية مكية الخ هو جواب الواحدي ومن أباح لحوم الخيل قال ليس المراد من الآية بيان التحليل والتحريم بل المراد منها تعريف اللّه تعالى عباده نعمه وتنبيههم على كمال قدرته وحكمته قالوا هذا هو التحقيق في هذا المقام وبيانه أن اللّه سبحانه لما نهى المشركين عن استعجال نزول العذاب استهزاء بقوله :
أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ
[ النحل : 1 ] كأنه لما التفت إلى استهزائهم وإخراج الكلام على الأسلوب الحكيم أي لم تستعجلون بنزول ما يرديكم ويستأصلكم فهلا تنتفعون بنزول ما يحييكم وينجيكم من العذاب وهو هذا القرآن الذي هو بمثابة الروح لحياة القلوب الميتة وهذا الرسول الكريم وبالمؤمنين رؤوف رحيم يدعوكم إلى التوحيد والتقوى ويبصركم الدلائل الدالة على وحدانيته لئلا تشركوا به شيئا وينبهكم على النعم السابقة التي توجب أن تشكروه وتعبدوه من دلائل الآفاق والأنفس ومما خلق من الأنعام وغيرها لانتفاعكم بها بالأكل والركوب وجز الأثقال والزينة على ما ألفتم واتخذتم شعارا لأنفسكم وافتخرتم بها يدل عليه قوله تعالى :
وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ
[ النحل : 6 ] وأما الجواب عن قولهم لو كان أكل لحم الخيل جائزا لكان هذا المعنى أولى بالذكر فقد أشار إليه المصنف رحمه اللّه بقوله ولا دليل فيه إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه غالبا أن لا يقصد منه غيره أصلا واللّه أعلم .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 224 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر