قوله : ( على قدرة مبدعها وتوحيد صانعها ) بملاحظة برهان التمانع كما سيجيء التوضيح في سورة الأنبياء وأما الاستدلال على كمال قدرة مبدعها وعلمه فغني عن البيان .
قوله تعالى :
[ سورة الحجر ( 15 ) : آية 17 ]
وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ( 17 )
قوله : ( فلا يقدر أن يصعد إليها ويوسوس أهلها ويتصرف في أمرها ويطلع على أحوالها ) إذ الوسوسة كانت كالطبيعة اللازمة له فإذا قدر على الصعود وصعد يوسوس أهلها ولا يلزم تأثيرها فيه ألا يرى أنه مسلط على الأنبياء عليهم السّلام مع أنه لا يؤثر فيهم والمراد يتصرف في أمرها اطلاع أحوالها وإلقائها إلى الكائن ويطلع الخ كالتفسير له .
قوله تعالى :
[ سورة الحجر ( 15 ) : آية 18 ]
إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ ( 18 )
قوله : ( بدل من كل شيطان واستراق السمع اختلاسه سرا ) بدل من كل شيطان بدل البعض من الكل وكلمة إلا رابطة وإذا ظهر الربط استغني عن الضمير كما أن العينية في بدل الكل أغنت عن الضمير وإنما ساغ البدل لأن حفظنا في تأويل النفي كما أشار إليه المصنف بقوله فلا يقدر أن يصعد إليها قال الرضي وتأويل النفي في غير أبي وما يتصرف منه نادر كما جاء في الشواذ فشربوا منه إلا قليل منهم ولا يجوز مات الناس إلا زيد وكان الزجاج يجيز البدل في قوله تعالى :
فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ
[ يونس : 98 ] لتأويل التحضيض بالنفي لأن المعنى ما آمنت قرية إذ اللوم على ما فات دليل على انتفائه وقد رده النحاة انتهى ولو جوز البدلية بناء على تأويل المثبت بالمنفي في كل مادة فإن ضرب مأول بلم يرحم ونصر مأول بلم يخذل وجاء مأول بلم يمكث ونحو ذلك فيختل القاعدة ولذا قال الرضي ورده النحاة مع أن التحضيض يقرب أو يستلزم النفي في الماضي قال المصنف في أوائل سورة هود في قوله تعالى :
فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ
[ هود : 116 ] الآية ولا يصح اتصال الاستثناء إلا إذا جعل استثناء من النفي اللازم للتحضيض انتهى . فإذا رد الزجاج النحاة في البدلية عن المثبت مع التحضيض فما ظنك بغيره وليت شعري ما الداعي للمصنف إلى ترجيح القول الواهي خصوصا في كلام اللّه المتعالي فالأحسن أن يقال إنه في محل النصب على الاستثناء المتصل والقول بأنه يلزم منه أن المسترقين يوسوسون لأهلها ويتصرفون فيها وكونها غير محفوظ عنهم مدفوع قوله : بدل من كل شيطان فيكون مجرور المحل قيل فيه نظر لأنه في كلام موجب والبدل يكون في غير الموجب وأجيب بأن قوله عز وجل :
وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ
[ الحجر : 17 ] في معنى النفي كقوله تعالى :
فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
[ البقرة : 249 ] فإن قوله عز وجل :
فَشَرِبُوا
[ البقرة : 249 ] بمعنى لم ينتهوا من شربه قال صاحب الكشاف من استرق في محل النصب على الاستثناء قال أبو البقاء هو استثناء منقطع أقول فيه نظر لأن من استرق من جنس الشيطان بقرينة قوله عز وجل : فاتبعه شهاب وغير الشيطان لا يتبعه شهاب فيكون الاستثناء متصلا لدخول المستثنى في المستثنى منه .