لدلالة قوله :
حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ
[ النساء : 15 ] . ( يستوفي « 1 » أرواحهن الموت ) لما كان التوفي بالمعنى المشهور الإماتة فلذا أسند إليه تعالى في قوله :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ
[ الزمر : 42 ] الآية ولا صحة له هنا أشار إلى أن المراد به معنى الاستيفاء بتقدير المضاف وحاصله أن الكلام على الاستعارة بالكناية بتشبيه الموت بشخص يستوفي في أرواحهن أي يأخذهن الموت ويقبضهن وتحقق المشبه به ليس بشرط في صحة التشبيه .
قوله : ( أو تتوفيهن ملائكة الموت ) أي التوفي بمعناه المشهور لكن بتقدير مضاف فوق الموت ويكون الإسناد مجازيا .
قوله : ( قيل كان ذلك عقوبتهن في أوائل الإسلام فنسخ بالحد ) أي بالآية الدالة على الحد وهو قوله :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي
[ النور : 2 ] .
قوله : يستوفي أرواحهن الموت أي يأخذ فإن الاستيفاء بمعنى الأخذ لما كان ظاهر معنى قوله عز وجل :
يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ
[ النساء : 15 ] يميتهن الموت لأن ظاهر معنى التوفي قبض الروح أخرجه عن ظاهره ففسره على وجهين الأول أن يكون يتوفهن معنى يستوفيهن أي يستوفي أرواحهن الموت ويأخذها من قولهم توفيت مالي على فلان أي استوفيته وقبضته ولا شك أن الموت ليس بمتوف الحقيقة بل شبه الموت بملك الموت فيكون استعارة مكنية والثاني أن يكون بمعنى يتوفيهن ملائكة الموت على المجاز كقوله تعالى :
حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها
[ محمد : 4 ] أي أهل الحرب .
قوله : فنسخ بالحد أي بآية الجلد وهي قوله تعالى :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
[ النور : 2 ] قال الإمام زعم جمهور المفسرين أن هذه الآية منسوخة وقال أبو مسلم إنها غير منسوخة أما المفسرون فقد بنوا هذا على أصلهم وهو أن هذه الآية في حكم الزنا ومعلوم أن هذا الحكم لم يبق فكانت الآية منسوخة ثم القائلون بهذا القول اختلفوا أيضا على قولين فالأول أن هذه الآية صارت منسوخة بالحديث وهو ما روى عبادة بن الصامت أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « خذوا عني قد جعل اللّه لهن سبيلا البكر بالبكر والثيب بالثيب تجلد البكر وتنفى والثيب تجلد وترجم » ثم إن هذا الحديث صار منسوخا بقوله تعالى :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
[ النور : 2 ] وعلى هذا الطريق ثبت أن القرآن قد ينسخ بالسنة وأن السنة قد تنسخ بالقرآن وهو خلاف قول الشافعي في أنه لا ينسخ واحد منهما بالآخر والقول الثاني أن هذه الآية صارت منسوخة بآية الجلد ثم قال الإمام واعلم أن أبا بكر الرازي لشدة حرصه على الطعن في الشافعي قال القول الأول أولى لأن آية الجلد لو كانت متقدمة على قوله خذوا عني لما كان في قوله خذوا عني فائدة فوجب أن يكون قوله خذوا عني متقدما على آية الجلد وعلى هذا التقدير تكون آية الحبس منسوخة بالحديث ويكون الحديث منسوخا بآية الجلد فحينئذ ثبت أن القرآن والسنة قد ينسخ كل واحد منهما بالآخر .
هامش
( 1 ) التوفي والموت بمعنى واحد كأنه قيل حتى يميتهن الموت كما في الكشاف وقال العلامة التفتازاني التوفي بمعنى المبني للمفعول الموت والتوفي المبني للفاعل الإماتة .