تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 596

مساهمون:

ص٥٩٦
الملك المتعال فكان خجيلا ولم يقدر كلاما كما أن حال الوائد مع الموؤودة كذلك . قوله : ( ولذلك قال ) ولذلك أي ولأجل أن المراد للتوبيخ دون الجواب . قوله : ( أي لا علم لنا بما كنت تعلمه ) فالمنفي ليس مطلق العلم بل العلم بما ذكر فلا إشكال بأنه يلزم من نفي العلم الكذب وهم بريئون عنه لا سيما في وقوفهم عند ربهم . قوله : ( فتعلم ما نعلمه مما أجابونا وأظهروا لنا وما لم نعلم مما أضمروا في قلوبهم ) وهذا هو المراد من قوله سابقا بما كنت تعلمه . قوله : فتعلم ما أجابوا وأظهروا لنا وما لم نعلم مما أضمروا في قلوبهم هذا وما بعده من الوجوه جواب عما عسى يسأل ويقال إن ظاهر قوله عز وجل :
قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
[ المائدة : 109 ] يدل على أن الأنبياء لا يشهدون لأممهم وقد قال اللّه تعالى في موضع آخر :
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً
[ النساء : 41 ] فإنه يدل على أنهم يشهدون للأمم وكذا قوله تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
[ البقرة : 143 ] ويكون الرسول عليكم شهيدا فأجاب المصنف في التلفيق بما أجاب من الوجوه التي ذكرها وقد أجيب عنه بأن للقيامة زلازل وأهوالا بحيث تزول القلوب من مواضعها عند مشاهدة تلك الزلازل والأهوال فالأنبياء عليهم السّلام عند مشاهدة تلك الأهوال ينسون أكثر الأمور فهناك يقولون لا علم لنا فإذا عادت قلوبهم فعند ذلك يشهدون للأمم قال الإمام هذا الجواب وإن ذهب إليه جمع عظيم فهو عندي ضعيف لأنه تعالى قال في صفة أهل الثواب لا يحزنهم الفزع الأكبر وقال أيضا
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ
[ عبس : 38 ، 39 ] بل أنه تعالى قال :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
[ المائدة : 69 ] فكيف يكون حال الأنبياء والرسل أقل من ذلك ومعلوم أنهم لو خافوا لكانوا أقل منزلة من هؤلاء الذين أخبر اللّه عنهم أنهم لا يخافون البتة أقول لم لا يجوز أن يعتري عليهم خوف عند مشاهدة الأهوال في أول الوهلة بمقتضى الجبلة البشرية كما خاف موسى عليه السّلام عند انقلاب العصا ثعبانا بمقتضى الجبلة البشرية في أول الوهلة ثم عرف ثانيا أن ذلك معجزة آتاها اللّه تعالى إياه تصديقا له في دعوى النبوة وقال اللّه تعالى :
خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى
[ طه : 21 ] وذكر الإمام ههنا وجها آخر غير ما أجابوا به وهو أنه قال خطر ببالي وقت الكتابة أنه قد ثبت في علم الأصول أن العلم غير الظن والحاصل عند كل واحد من حال الغير إنما هو الظن والظن كان معتبرا في الدنيا لأن الأحكام في الدنيا كانت مبنية على الظنون أما الآخرة فلا التفات فيها إلى الظن لأن الأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأشياء وبواطن الأمور فلهذا السبب
قالُوا لا عِلْمَ لَنا
[ المائدة : 109 ] ولم يذكروا البتة ما معهم من الظن لأن الظن لا عبرة به في القيامة وأقول يلزم من هذا الجواب الذي ذكره الإمام أن يكون شهادة الأنبياء لأممهم في يوم القيامة مبنية على الظن لأن قولهم :
لا عِلْمَ لَنا
[ المائدة : 109 ] إنما هو في الآخرة عندما سألوا في الآخرة عن حال أممهم في الإجابة وعدمها فالمسلوب عنهم فيه هو العلم الجازم فإذا شهدوا فيه بشيء لأممهم والشهادة من غير علم بالمشهود به لا يجوز يلزم أن يكون شهادتهم هناك بناء على الظن والشهادة بالظن والتخمين غير جائزة وقد قال الإمام لأن الظن لا عبرة به في القيامة والمقصود من الأجوبة المذكورة التلفيق بين هذه الآيات المتخالفة بحسب الظاهر وبما ذكره الإمام من الجواب