قوله : ( والزموا اصلاحها ) بمواظبة التحقيق في أمر الدين وبالاقتداء بمن علم علمه واهتدائه في أحكام الشرع المتين لما بين تعالى حال الكفار من اتباعهم إلى الاغيار بلا مسند سوى التقليد أمر سبحانه وتعالى بالمؤمنين بتحصيل العلم اليقين بالاستدلال فيما يجب والاقتداء فيما ليس كذلك بمواظبة الاتباع بالكتاب المبين وسنة الرسول الأمين .
قوله : ( والجار مع المجرور جعل اسما لالزموا ولذلك نصب أنفسكم ) أي لفظة على هنا من أسماء الأفعال بمعنى الأمر وعن هذا قال أول الزموا .
قوله : ( وقرىء بالرفع على الابتداء ) بجعل عليكم ظرفا مستقرا خيرا عن أنفسكم لا اسم فعل والمعنى على الإغراء أيضا ولذا قال العلامة التفتازاني أي واجبة عليكم لازمة والظاهر أي واجب عليكم حفظها .
قوله : ( لا يضركم الضلال إذا كنتم مهتدين ) إشارة إلى أن المضاف محذوف أي لا يضركم ضلالا من ضل أو إلى أن ضمير من ضل بسبب ضلاله فلا حاجة إلى تقدير المضاف .
قوله : ( ومن الاهتداء ) جواب سؤال بأنه يفهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يسوغ تركه لمن اهتدى مع أنه تعالى ذم من ترك الحسبة فوق من ارتكب المعصية حيث قال تعالى :
لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ
[ المائدة : 63 ] إلى قوله :
لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ
[ المائدة : 63 ] فالجواب أن من قدر على الحسبة إذا لم يأمر وينكر فليس بمهتد فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمن قدر عليهما من جملة الاهتداء ومن جملة القدرة الانكار بالقلب وإن كان من ضعف الإيمان كما نطق به الخبر الشريف .
قوله : ( أن ينكر المنكر حسب طاقته ) وأن يأمر بالمعروف ولعل الاكتفاء لأن الحديث المذكور مسوق لبيان حال المنكر مع أنه مستلزم للأمر بالمعروف .
قوله : ( كما قال عليه السّلام من رأى منكم منكرا واستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه ) أي فليقر بلسانه بالمنع والزجر .
الْبَلاغُ
[ المائدة : 99 ]
وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ
[ المائدة : 99 ] إلى قوله وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل اللّه وإلى الرسول قالوا :
حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا
[ المائدة : 104 ] فكأنه تعالى قال إن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع المبالغة في الأعذار والأنداد والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل بقوله مصرين على جهلهم منجمدين على جهالتهم فلا تبالوا أيها المؤمنون بجهالتهم وضلالتهم بل كونوا لتكاليف اللّه مطيعين ولأوامره ونواهيه منقادين فلا يضركم ضلالتهم وجهالتهم فلهذا قال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
[ المائدة : 105 ] .
قوله : وقرىء بالرفع على الابتداء فالمعنى عليكم حفظ أنفسكم ولا بد من هذا التقدير إذ لا يفهم من كون نفس أنفسهم عليهم فائدة معتد بها .