قوله : ( أو بنكثه فحذف للعلم به ) بنكثه أي بنقضه ظاهره لا ينتظم اليمين الغموس وفيه الكفارة عند المصنف إذ لا نكث فيها مع أنه مما عقدتم الايمان ولعل وجه التأخير لهذا وتعميم النكث الحقيقي خلاف الظاهر والمتبادر هذا تقرير مذهب الشافعي وعندنا معنى التوثيق الايمان كونها بحيث يقبل الانعقاد والانحلال بأن يكون على فعل أو ترك في المستقبل فيخرج عنها اليمين اللغو والغموس كما حقق في موضعه فيحتاج حينئذ أيضا إلى أحد التوجيهين إذ لا مؤاخذة لمجرد اليمين المنعقدة ما لم يحنث فلا وجه للقول فالأولى على مذهب الحنفية أن يكون الكلام في هذا المقام على ظاهره ويقدر ما يقدر في قوله :
فَكَفَّارَتُهُ
[ المائدة : 89 ] أي كفارة حنثه .
قوله : ( وقرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم
عَقَّدْتُمُ
[ المائدة : 89 ] بالتخفيف وابن عامر في رواية ابن ذكوان عاقدتم وهو من فاعل بمعنى فعل ) إذ لا مشاركة هنا .
قوله : ( فكفارة نكثه ) إذ الكفارة للحنث والنكث لا لليمين .
قوله : ( أي الفعلة التي تذهب إثمه وتستره ) أشار إلى أن الكفارة عبارة عن الفعل لا العين وجعل العين كفارة كما وقع في عبارة الكشف مسامحة .
قوله : ( واستدل بظاهره على جواز التكفير بالمال قبل الحنث وهو عندنا خلافا قوله : فكفارة نكثه ارجع الضمير في كفارته إلى النكث المدلول عليه بقوله :
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ
[ المائدة : 89 ] وإنما لم يرجع إلى الإيمان لأنه جمع ورجعه إليه يقتضي أن يقال فكفارتها قال صاحب الكشاف ولم يقل فكفارتها لأن أفعالا وإن كان جمعا في حكم المفرد كقوله تعالى :
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ
[ المؤمنون : 21 ] وقال الزمخشري في تفسير سورة النحل ذكر سيبويه الإنعام في باب ما لا ينصرف في الأسماء المفردة الواردة على أفعال كقولهم ثوب أكياس ولذلك رجع الضمير إليه مفردا وأما تأنيث ضمير الإنعام في سورة المؤمنين حيث قيل :
مِمَّا فِي بُطُونِها
[ المؤمنون : 21 ] فلأن معناه الجمع قوله ثوب أكياس هو ضرب من الثوب يغزل غزله مرتين وفي المثل عليك بالثوب الأكياس فإنه من ثياب الأكياس .
قوله : أي الفعلة التي يذهب إثمه جعل الكفارة صفة موصوف محذوف أي ففعلته المكفرة لإثمه إطعام عشرة مساكين قوله وتسترة إشارة إلى أن أصل معنى الكفارة من الكفر بمعنى الستر سمي جاحد الحق كافرا لستره الحق .
قوله : واستدل بظاهره على جواز التكفير بالمال قبل الحنث هذا قول الشافعي رحمه اللّه فإن احتج بهذه الآية على أن التكفير قبل الحنث جائز فقال الآية دلت على أن كل واحد من هذه الأشياء الثلاثة كفارة لليمين عند وجود الحلف فإذا أداها بعد الحلف قبل الحنث فقد أدى الكفارة عن ذلك اليمين وإذا كان كذلك وجب أن يخرج عن العهدة وإنما قال المصنف واستدل لأنه إذا قدر إذا حنثتم أو قدر بنكث ما عقدتم لا تكون الآية مما يستدل به على ذلك وإنما يكون مما يستدل به إذا أخذت المؤاخذة في
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ
[ المائدة : 89 ] مطلقة عن التعلق بذلك