قوله : ( ومن مزيدة للاستغراق ) أو للتنصيص على الاستغراق فهذا أبلغ من لا إله إلا هو .
قوله : ( ولم يوحدوا ) توحيدا بلا حلول واتحاد .
قوله : ( أي ليمسن الذين بقوا منهم على الكفر ) أي المراد ليس إحداث الكفر بل بقائه عليه إذ الكلام في القائلين بالتثليث فحينئذ كلمة من للتبعيض .
قوله : ( أو ليمسن الذين كفروا من النصارى ) فمن ح للبيان .
قوله : ومن مزيدة للاستغراق أي ما إله في الوجود قط إلا إله واحد قال صاحب الإقليد إن إفادة من الاستغراقية الاستغراق لأنها تدخل لابتداء الجنس إلى انتهائه فقولك هل من رجل تقديره هل من واحد إلى أقصاه إلا أنه اكتفى بذكر من عن ذكر إلى لدلالة أحد الغايتين على الأخرى وإنما قيل إن مثل لا رجل متضمن لمعنى من الاستغراقية لأن لا رجل في الدار بالفتح أبلغ في النفي من لا رجل في الدار بالرفع وهو ليس رجل في الدار ولا يمكن تقدير ما يكون به كذلك إلا بحرف يفيد الاستغراق فوجب تقدير من ولو كانت لا مفيدة للاستغراق لذاتها لما جاز قولهم لا رجل في الدار بل رجلان برفع رجل قال الإمام في تفسير لا إله إلا هو قدر النحويون لا إله في الوجود وذلك غير مطابق للتوحيد الحق لأن هذا نفي لوجود الإله الثاني ولو لم يضمر هذا لكان لا إله نفيا لماهية الإله الثاني ومعلوم أن نفي الماهية أقوى بالتوحيد الصرف من نفي الوجود فعلى هذا لو ترك التقدير بقوله في الوجود ليبقى مطلقا فيتناول الوجود والإمكان وما يجري مجراهما لكان أولى .
قوله : أي ليمسن الذين بقوا منهم على الكفر هذا على أن يحمل من في منهم على التبعيض وقوله : أو
لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ المائدة : 73 ] من النصارى على أن يصرف من إلى معنى البيان أقول يفهم من صرف من إلى التبعيض أن بعضا ممن لم ينتهوا عما يقولون لا يمسهم العذاب لأن الذين كفروا مظهر موضوع موضع المضمر والمقام مقام أن يقال ليمسنهم وضمير المفعول في ليمسنهم لمن ذكروا في الشرط وهم الذين لم ينتهوا عن قولهم ذلك وكذا ما وضع موضع ذلك الضمير عبارة عنهم جميعا فيصير المعنى وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن بعض هؤلاء عذاب اليم وصرف كفروا إلى معنى بقوا على الكفر خلاف الظاهر وأي ضرورة ألجأت إلى الخروج عن الظاهر مع حمل من على البيان الواضح المعنى قال الزمخشري فإن قلت فهلا قيل ليمسنهم عذاب أليم قلت في إقامة المظهر مقام المضمر فائدة وهي تكرير الشهادة عليهم بالكفر في قوله :
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا
[ المائدة : 73 ] وفي البيان فائدة أخرى وهي الإعلام في تفسير
الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ
[ الأنعام : 1 ] أنهم بمكان من الكفر والمعنى ليمسن الذين كفروا من النصارى خاصة عذاب أليم أي نوع شديد الألم من العذاب كما يقول أعطني عشرين من الثياب تريد من الثياب خاصة لا من غيرها من الأجناس التي يجوز أن يتناولها عشرون تم كلامه ثم فسر الذين كفروا بهم في قولهم منهم لأن من للبيان تنبيها على أنهم بلغوا في الكفر بحيث صاروا أعلاما للكفر مشاهير فيه حتى أمكن أن يعرف الكفر بهم هذا كما قال الزمخشري في تفسير الفاتحة في بيان إبدال
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
[ الفاتحة : 7 ] قولك هلى أدلك على أكرم الناس وأفضلهم فلان أبلغ من فلان الأفضل لأنك ثنيت ذكره مجملا أولا ومفصلا ثانيا وأوقعت فلانا تفسيرا للأكرم الأفضل فجعلته علما في الكرم والفضل قال الطيبي ويمكن أن يقال إنه من باب رأيت منك أسدا أي من باب التجريد جرد من نفس النصارى الذين كفروا مبالغة لكمال الكفر فيهم .