تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
قوله تعالى :

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 73 ]

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 73 ) قوله : ( أي أحد ثلاثة ) هذا معنى آخر غير المعنيين المشهورين . قوله : ( وهو حكاية عما قاله النسطورية والملكانية منهم القائلون بالأقانيم الثلاثة ) وهي الوجود والعلم والحياة وسموها الأب والابن وروح القدس وزعموا أن أقنوم العلم قد انتقل إلى بدن عيسى عليه السّلام فجوزوا الانفكاك والانتقال فكانت ذوات متغايرة من غاية حمقهم جعلوا الذات الواحدة نفس ثلاث صفات وقالوا إنه تعالى جوهر واحد له ثلاثة أقانيم وأرادوا بالجوهر القائم بنفسه وبالأقنوم الصفة ولما قالوا الانتقال لزمهم إثبات قدماء مستقلة بذواتها ولذا قال تعالى حكاية عنهم
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ
[ المائدة : 73 ] وبينه المصنف بأن اللّه تعالى واحد من المتعدد على ما لزم من كلامهم . قوله : ( وما سبق قول اليعقوبية القائلين بالاتحاد ) أي بطريق الحلول . قوله : ( وما في الوجود ذات واجب مستحق للعبادة من حيث إنه مبدأ جميع الموجودات ) معنى أصل الكلام وما معبود بالحق موجود والمصنف أشار إلى توضيح معنى الخبر المحذوف وهو الموجود بوجود واجب مقتضى الذات وما سواه يستند وجوده إليه ولهذا يستحق العبادة لا غير فما في الوجود ذات شأنه هذا إلا إله موصوف بالوحدانية . قوله : ( إلا إله موصوف بالوحدانية متعال ) منزه مقدس . قوله : ( عن قبول الشركة ) فضلا عن الاتحاد فبهذا يرد قول اليعقوبية أيضا أي كما يرد التثليث . قوله : أي أحد ثلاثة أي أحد ثلاثة آلهة ففي الآية إضمار إلا أنه حذف ذكر الآلهة لأن ذلك معلوم من مذهبهم قال الواحدي لا يكفر من يقول إن اللّه ثالث ثلاثة إذا لم يرد به ثالث ثلاثة آلهة فإنه ما من اثنين إلا واللّه ثالثهما بالعلم كقوله تعالى :
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ
[ المجادلة : 7 ] . قوله : القائلون بالأقانيم الثلاثة المتكلمون حكوا عن النصارى أنهم يقولون جوهر واحد ثلاثة أقانيم أب وابن وروح القدس وهذه الثلاثة إله واحد كما أن اسم الشمس يتناول القرص والشعاع والحرارة وعنوا بالأب الذات وبالابن الكلمة وبالروح القدس الحياة فأثبتوا الذات والكلمة والحياة وقالوا إن الكلمة التي هي كلام اللّه اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء بالخمر واختلاط الماء باللبن وزعموا أن الأب إله والابن إله والروح إله والكل إله واحد وهذا معلوم البطلان بديهية العقل فإن الثلاثة لا يكون واحدا والواحد لا يكون ثلاثة لا مقالة أشد فسادا وأظهر بطلانا من مقالة النصارى . قوله : وما سبق قول اليعقوبية أي وما سبق وهو قولهم :
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ
[ المائدة : 72 ] هو قول اليعقوبية وذلك أنهم قالوا إن اللّه ومريم وعيسى آلهة ثلاثة والذي يؤكد هذا قوله تعالى للمسيح :
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ المائدة : 116 ] .