تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
يقال إن في القرآن ما يحرم إفشاءه كالمتشابهات كما صرح به المص في أوائل سورة البقرة . قوله تعالى :

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 68 ]

قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 68 ) قوله : ( أي دين يعتد به أو يصح أن يسمي شيئا لأنه باطل ) فالنفي راجع إلى هذا القيد وكثيرا ما يقال في المحاورات هذا ليس بشيء مع أنه شيء يراد نفي الاعتداد والاعتبار حاصله التحقير لشأنه . قوله : ( حتى تقيموا التوراة والإنجيل ) حتى تقيموا يا أهل التوراة التوراة ويا أهل الإنجيل الإنجيل كما هو الظاهر وأما وجوب إقامة أهل التوراة الإنجيل فمستفاد من قوله :
وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ
[ المائدة : 68 ] من الكتب الإلهية على أن المراد إقامة أصولها فإقامة أحدها إقامة الآخر . قوله : ( ومن إقامتها الإيمان بمحمد صلّى اللّه تعالى عليه وسلم والإذعان لحكمه فإن الكتب الإلهية بأسرها آمرة بالإيمان بمن صدقته المعجزة ناطقة بوجوب الطاعة له ) إشارة إلى أن المراد بما أنزل إليكم الكتب الإلهية عن آخرها فيكون تعميما بعد تخصيص أو مع ملاحظة ما قبله فالمراد سائر الكتب الإلهية كما صرح فيما سبق وقد جوز فيما مرّ كون المراد بما أنزل القرآن لكن الوجه الأول هو المرجح ولو أريد القرآن فهو مصدق لما عداه من الكتب الإلهية فإقامته إقامة جميع الكتب الإلهية . قوله : ( والمراد إقامة أصولها ) إذ الملل قاطبة متحدة في تلك الأصول . قوله : ( وما لم ينسخ من فروعها ) إذ المخاطبون هم الذين في زمن رسول اللّه عليه السّلام . قوله : ( وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل ) أي استماع ما أنزل إليك طغيانا وكفرا سبق تفسيره وتوجيهه آنفا ولعل قيد كثيرا إشارة إلى أن منهم من ينفعه سماع ما أنزل ويؤمن به كعبد اللّه بن سلام واضرابه
فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
[ المائدة : 68 ] الفاء للسببية أظهر في موضع المضمر تسجيلا بالكفر عليهم وإشارة إلى علة الحكم فإن ما هو هدى محضا ونورا محيا إنما يزيد الطغيان لمن هو مؤوف الحواس مختل العقول ومتمادي الكفر والغفول . تعالى أخفى عن الأنبياء سر القدر لأنه تعالى لو أظهره لهم يلزم الفتور في الدعوة لعلمهم أن الدعوة لم تنجع فيما لم يقدر حصوله . قوله : والمراد إقامة أصولها أي أصول التوراة وهي العقائد الحقة كالعلم باللّه ووحدانيته وجميع صفاته الكمالية على ما يليق به ومعرفة النبوات قوله وما لم ينسخ من فروعها وهي المسائل المستنبطة من الكتاب والسنة في كل شريعة من الشرائع .