قوله : ( فما ظنك بالعدل مع المؤمنين ) بوجوب العدل وتأكيده مع المؤمنين إذ الأخوة في الإيمان يقتضي تضاعف العدل وتزايده على العدل مع أهل الطغيان يعني أن وجوب العدل مع الكفار ثابت بالمنطوق ووجوبه مع الأبرار ثابت بدلالة النص ولو أريد بالعدل مطلق العدل فيدخل العدل مع المشركين دخولا أوليا لم يبعد .
قوله : ( فيجازيكم به وتكرير هذا الحكم ) أي النهي عن الجور والأمر بالعدل وأفرد الحكم لأنه للجنس وقيل لكمال الامتزاج بين النهي المذكور وبين الأمر المذكور حتى كأنهما حكم واحد انتهى وتكرار الحكم باعتبار كون هذا الحكم مذكورا في سورة النساء .
قوله : ( إما لاختلاف السبب كما قيل إن الأولى نزلت في المشركين وهذه في اليهود ) أي هذه الآية المذكورة هنا نزلت في شأن اليهود لا يلائم ما ذكره آنفا من قوله شدة بغضكم للمشركين .
قوله : ( أو لمزيد الاهتمام بالعدل ) فإنه منبع الخصال الحميدة .
قوله : ( والمبالغة في إطفاء نائرة الغيظ ) في إمحاء نائرة الغيظ أي نارية الغيظ إذ هو منشأ الجور والعدوان فالمبالغة في إطفائها مبالغة في زجر الجور وإضافة نائرة إلى الغيظ من قبيل إضافة المشبه به إلى المشبه كما هو الظاهر والإطفاء ترشيح التشبيه .
قوله تعالى :
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 9 ]
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ( 9 )
قوله : (
وَعَدَ اللَّهُ )
[ المائدة : 9 ] لما تضمن قوله :
إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
[ المائدة : 8 ] الوعد والوعيد عقبه بالوعد لمن آمن وعمل صالحا وبالوعيد لمن كفر واكتسب سيئا .
قوله : ( إنما حذف ثاني مفعولي وعد استغناء بقوله :
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ
[ المائدة : 9 ] ) أي لدلالته عليه بعينه .
قوله : ( فإنه استئناف ببينة ) أي جواب سؤال ماذا وعد لهم وإنما اختير هذا لأن قوله : وتكرير هذا الحكم وهو الأمر بالتقوى وتعقيبه بالجملة الاستئنافية المبنية عن التعليل في الموضعين إما لاختلاف السبب فإن سبب الأمر بالتقوى في الأول الأمر بذكر نعمة اللّه وميثاقه عليهم والأمر بذكر النعمة وعهد الميثاق متضمن للنهي عن ضده الذي هو نسيان النعمة والعهد ونسيانهما سبب الأمر بالتقوى ولذا قال هناك
وَاتَّقُوا اللَّهَ
[ المائدة : 4 ] في إنساء نعمه ونقض ميثاقه والسبب ههنا الأمر بالعدل المتضمن للنهي عن ضده الذي هو الظلم والجور والظلم سبب حامل على الأمر بالتقوى فكرر الأمر بالتقوى لاختلاف السبب وأيضا بين الاستئنافين اتحاد في المعنى فإن معنى
عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
[ المائدة : 7 ] ومعنى
خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
[ المائدة : 8 ] واحد فإن خبير من الخبرة وهي العلم بباطن الشيء والعلم بذات الصدور والعلم بباطن الشيء واحد مآلا وإن اختلفت العبارتان حالا فتكرير الاستئنافين أيضا لاختلاف سبي ما هما وقعا في معرض التعليل له وأما لمزيد الاهتمام بالعدل فإنه معظم ما به قوام العالم .
قوله : فإنه استئناف يبينه أي يبين ذكر المفعول المحذوف فكأنه لما قيل :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ