تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
قوله : ( ردهم إلى حكم الكفرة ) من الذل والصغار والقتل والسبي . قوله : ( أو نكسهم ) والنكس جعل الأعلى أسفل قال الراغب الركس والنكس النزول إلا أن الركس أبلغ لأنه ما صار رجيعا بعد أن كان طعاما . قوله : ( بأن صيرهم للنار ) فحينئذ يكون بيانا لأحوالهم في الآخرة كما أن في الأول يكون بيانا لأحوالهم في الدنيا وهو الأقرب فلذا قدمه ورجحه إذ الثاني معلوم من عمومات الوعيد مع أنه أبعد من المعنى الحقيقي . قوله : ( وأصل الركس رد الشيء مقلوبا ) وكذا أصل النكس رد الشيء مقلوبا أي قلبه على رأسه أورد أوله على آخره ففي الاحتمال الأول يكون تشبيها للمعقول بالمحسوس وكذا الثاني إذ كون مصيرهم إلى الجنة حالتهم الأصلية والمستوية وتصييرهم إلى النار ركسهم ونكسهم . قوله : ( أتريدون ) من قبيل إسناد ما هو قائم بالبعض إلى الجميع وقيل تجريد للخطاب وتخصيص له بالقائلين بإيمانهم من الفئتين انتهى لكن لا حاجة إليه والاستفهام لإنكار الوقوع وتوجيه الإنكار إلى الإرادة لا إلى المراد مع أنه المقصود للمبالغة في الإنكار بالإشعار بأنه لا يمكن إرادته فضلا عن إمكانه في نفسه . قوله : ( أن تهدوا ) أن تخلقوا الاهتداء فلذا قال المصنف أن تجعلوه من المهتدين والإنكار منوط إليه وإلا فالهداية بمعنى الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب من وظائف المسلمين فكيف يتوجه الإنكار إليها . قوله : ( من أضل اللّه أن تجعلوه من المهتدين إلى الهدى ) من أضل اللّه الظاهر أن تهدوهم لكن وضع الموصول موضع الضمير لتعميم الحكم وإقناطا لهم بالكلية أي لا تجعلون من أضل اللّه من المهتدين سواء كان منهم أو من غيرهم وللإشعار إلى علة الحكم وللتلويح إلى ذمهم بالضلال ولتأكيد استحالة الهداية كما حكم تعالى بقوله :
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا
[ النساء : 88 ] فيه مبالغات نفي الوجدان وأريد نفي السبيل على طريق الكناية وتنكير السبيل للنص على التعميم وتوجيه الخطاب ولكل من يصلح له من ذوي الألباب . قوله تعالى :

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 89 ]

وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 89 ) قوله : (
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ
[ النساء : 89 ] كما كفروا تمنوا أن تكفروا ككفرهم ) قوله : أن تجعلوا مهتدين فسر الهداية بلازمها لأن إنكار حقيقة الهداية وهي الدلالة إلى ما يوصل إلى المطلوب أو الدلالة الموصلة إلى المطلوب غير معقول لا يليق بالهادي إلى سبيل الحق فاضطر إلى التفسير باللازم عادة وهو الاهتداء والامتثال بالهدى فإن إرادة هداهم وإن كان غير منكر لكن إرادة جعل من أضله اللّه مهتديا منكر .