قوله : ( بأن يعاد ذلك الجلد بعينه على صورة أخرى كقولك بدلت الخاتم قرطا ) فلا إشكال بأن الجلد الثاني كيف يعذب مع أنه لم يعص لأن الجلد الثاني هو الجلد الأول باعتبار أصله والاختلاف في الصورة لا يضر إذ المادة الأصلية باقية .
قوله : ( أو بأن يزال عنه أثر الإحراق ليعود إحساسه للعذاب ) جواب ثان لدفع ذلك الإشكال وحاصله أن المعذب هو الجلد الأول بعينه ولا اختلاف في الصورة أيضا لكن المغايرة بإزالة أثر الإحراق قوله ليعود الخ آخره لأن المغايرة بهذا الاعتبار غير ظاهرة .
قوله : ( كما قال
لِيَذُوقُوا الْعَذابَ
[ النساء : 56 ] ) ناظرا إلى الوجهين وإن كان الأخير هو المتبادر .
قوله : ( أي ليدوم لهم ذوقه وقيل يخلق مكانه جلد آخر والعذاب في الحقيقة للنفس العاصية المدركة لا لآلة أدركها فلا محذور ) مرضه لأنه مخالف لما تقرر عندهم من أن المعذب الروح والبدن معا والبدن يحس العذاب بواسطة الروح كما أحس اللذات وترك التعرض له أولى ( لا يمتنع عليه ما يريده يعاقب على وفق حكمته ) .
كالبيان والتقرير لقوله عز وجل :
وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً
[ النساء : 55 ] فإن معناه
وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً
[ النساء : 55 ] لهم أي للذين كفروا بهذه الجملة بين ما أجمل في تلك الجملة وقرر فإن الوعيد المذكور وهو قوله عز وجل :
وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً
[ النساء : 55 ] وإن كان في طائفة خاصة من أهل الكتاب لكنهم داخلون في عموم هذه الآية دخولا أوليا ففيه إثبات الشيء بالبرهان لأن الحكم على الكل يستلزم الحكم على البعض ومن هذا جاء البيان والتقرير قال سيبويه سوف كلمة تذكر للتهديد والوعيد يقال سوف أفعل وينوب عنها حرف السين كقوله تعالى :
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ
[ المدثر : 26 ] وقد تذكر كلمة سوف للوعد أيضا كما قال تعالى :
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى
[ الضحى : 5 ] وقال :
سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ
[ يوسف : 89 ] وقد ذكرت ههنا في الوعيد .
قوله : بأن يعاد ذلك الجلد بعينه على صورة أخرى قوله بعينه جواب عما يسأل ويقال الجلود العاصية إذا احترقت فلو خلق اللّه تعالى جلودا أخرى وعذبها كان هذا تعذيبا لمن لم يعص وهو غير جائز والجواب أن ذات الجلد واحدة والمتبدل هو الصفة فإذا كانت الذات واحدة كان العذاب لم يصل إلا إلى العاصي فعلى هذا المراد بالغير المغايرة في الصفة .
قوله : ليدوم لهم ذوقه وإنما فسره بدوام ذوق العذاب لأن أصل العذاب حاصل لهم فلا بد أن يصار إلى الدوام .
قوله : والعذاب في الحقيقة للنفس العاصية المدركة لا لآلة إدراكها هذا أيضا جواب آخر عن السؤال المذكور يعني ولئن سلم أن المراد بغير المغايرة في الذات لا يلزم تعذيب غير العاصي فإن العاصي هي النفس لا آلات إدراكها التي هي الجلود .
قوله : يعاقب على وفق حكمته قال الإمام والمراد من العزيز القادر الغالب ومن الحكيم الذي لا يفعل إلا الصواب وذكرهما في هذا الموضع في غاية الحسن لأنه يقع في القلب تعجب من أنه كيف يمكن بقاء الإنسان في النار الشديدة أبد الآباد فقيل هذا ليس بعجب من اللّه لأنه القادر الغالب على جميع الممكنات يقدر على إزالة طبيعة النار ويقع في القلب أنه كريم رحيم فكيف يليق برحمته