قوله : ( ويجوز أن يكون المعنى إنكار أنهم أوتوا نصيبا من الملك على الكناية وأنهم لا يؤتون الناس شيئا وإذا وقع بعد الواو والفاء لا لتشريك مفرد جاز فيه الإلغاء والاعمال ) إنكار أنهم أوتوا نصيبا الخ . أي إنكار واقع لمجموع المعطوف والمعطوف عليه فإن الفاء ح للعطف لا للسببية والجزائية كما في الاحتمال الأول فإنهم كانوا ذوي بساتين وأموال وقصور مشيدة كما يكون أحوال الملوك وأنهم لا يؤتون أحدا شيئا فأنكر عليهم بأنه لا ينبغي أن يقع مثل هذا الشح ممن له عزة مال وسعة حال فالإنكار في الحقيقة ناظر إلى المعطوف وإنما اخره لمخالفته سبب النزول وادعائهم بأن الملك سيصير إليهم مع أن في الأول مبالغة تامة وأن المراد بالملك على هذا ليس على حقيقته بل كنوي كما نبه عليه المص .
قوله : ( ولذا قرىء فإذا لا يؤتوا على النصب ) أي بعمل إذن إما لكون الفاء جزائية أو لعطف الجملة .
قوله تعالى :
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 54 ]
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ( 54 )
قوله : ( بل أيحسدون ) يعني أن أم منقطعة ومعنى الهمزة إنكار للواقع أي لا ينبغي أن يقع الحسد .
قوله : واذن إذا وقع بعد الواو والفاء لا لتشريك مفرد جاز فيه الفاء أي إذا وقع بعدهما لتشريك جملة لجملة أخرى كما في هذا الموضع واحترز به عما إذا وقع بعدهما لتشريك مفرد كقولك جاء زيد وأذن عمرو وقال سيبويه أذن في عوامل الأفعال بمنزلة أظن في عوامل الأسماء وتقريره أن الظن إذا وقع في أول الكلام نصب لا غير كقولك أظن زيدا قائما وإن وقع في الوسط جاز الغاؤه وأعماله كقولك زيد أظن قائم وإن شئت قلت زيدا أظن قائما وإن تأخر فالأحسن الغاؤه تقول زيد منطق ظننت والسبب في ما ذكرناه أن ظن وما أشبهه من الأفعال نحو علم وحسب ضعيفة في العمل لأنها لا تؤثر في مفعولاتها أي لا تؤثر فيها تأثير فعل الجوارح فيها فإذا تقدم دل التقدم في الذكر على شدة العناية فقوي على التأثير وإذا تأخر دل على عدم العناية فلغى وإن توسط فحينئذ لا يكون في محل العناية من كل الوجوه ولا في محل الإهمال من كل الوجوه بل كانت كالمتوسطة في هاتين الحالتين فلا جرم كأن الإعمال والإلغاء جائزا واعلم أن الاعمال في حال التوسط أحسن والإلغاء في حال التأخر أحسن وإذا عرفت هذا فنقول كلمة أذن على هذا الترتيب أيضا فإن تقدمت نصبت الفعل تقول إذا أكرمك وإن توسطت أو تأخرت جاز الإلغاء تقول أنا إذا أكرمك وأنا أكرمك إذا فتلغيه في هاتين الحالتين إذا عرفت هذه المقدمة فقوله تعالى :
فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً
[ النساء : 53 ] اذن لما وقعت بين الفاء والفعل جاز أن يقدر متوسطة فتلغى كما تلغى إذا توسطت أو تأخرت وهكذا سبيلها مع الواو وكقوله وإذا لا يبثون خلفك إلا قليلا فإذا وقعت بعد الفاء كما في هذه الآية أو وقع بعد الواو كما في قوله تعالى :
وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا
[ الإسراء : 76 ] ففيه وجهان فمن نصب بها جعل الفاء ملصقة في اللفظ والمعنى فكأنه ابتدى بها ومن رفع جعل الفاء معلقة بالفعل وأذن لغو فيكون تقدير فأذن أكرمك فأكرمك أذن والقراءتان في الآية على الوجهين فكلمة اذن ما كان من لفظ القرآن يكتب بالألف وما كان من لفظ التفسير يكتب بالنون .
قوله : بل يحسدون معنى كلمة أم ههنا منقطعة أيضا بمعنى بل والهمزة والمعنى على إنكار الحسد .