تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
التورية لاختصاصه بعلمائهم قوله بما نزلنا وهو القرآن عبر عنه بالموصول تفخيما بإيهامه أولا وبمضمون الصلة ثانيا وتحقيقا من عنده ثالثا . قوله : ( من قبل أن نمحو تخطيط صورها أو نجعلها على هيئة أدبارها يعني الإقفاء ) من قبل أن نمحو الخ وهذا لازم المعنى المراد بتخطيط الصور ما صوره الباري بإرادته وللية في وجه الإنسان من الحاجب والأنف ونحوهما ومحوها ما ذكره المص أي إزالة تخطيط الصور المذكورة وتسوية الوجوه وجعلها مثل أدبارها وهي القفا . قوله : ( أو ننكسها إلى ورائها في الدنيا أو في الآخرة ) معنى آخر له اخره لأنه لا يلائم الطمس وإن وافق قوله :
فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها
[ النساء : 47 ] أي نجعل تخطيط الصور والعيون في القفا فينقلب صورهم فيكون مسخا إما في الدنيا أو في الآخرة هذا شامل للوجهين لا للأخير فقط كما يوهمه العبارة والفرق بين المعنيين أن في الأول اعتبر إزالة تخطيط الصور وتغييرها وجعل الوجوه كالقفا وهذا معنى فنردها على ادبارها فح الفاء في فنردها للتسبيب لأن تغير تخطيط الصور وإزالتها سبب لكون الوجوه مثل الادبار وإن أريد بالرد على أدبارها ردها على أدبارها بعد إزالة التخطيط فيكون الفاء للتعقيب فيكون وعيدا بعقابين أحدهما عقيب الآخر بدون السببية ردها على أدبارها بعد الطمس وفي الوجه الثاني اعتبر رد الوجوه إلى أدبارها بدون تغيير تخطيط الصور بقرينة المقابلة فينكس الوجوه إلى الخلف والقفا إلى القدام . قوله : ( وأصل الطمس إزالة الأعلام الماثلة ) بالثاء المثلثة أي المنصوبة في الطرق علامة لها وحسن الظن بالمص أنه اطلع كون هذا المعنى له في اللغة وأشار به إلى أن المراد بالطمس هنا مجاز بجامع الإزالة . قوله : من قبل أن نمحو هذا على حمل الطمس على حقيقته وهو المحو فالمراد من طمس الوجوه محو تخطيط صورها فإن الوجه إنما يتميز عن سائر الأعضاء بما فيه من المحاسن فإذا أزيلت ومحيت كان ذلك طمسا ومعنى قوله :
فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها
[ النساء : 47 ] والوجوه إلى ناصية القفا جعلها مثل الإقفاء في العراء عن التخليط التي فيها وهذا إنما جعله اللّه عقوبة لما فيه من التشويه في الخلقة والفضيحة لأن عند ذلك يعظم الغم والحسرة . قوله : أو ننكسها عطف على نحو النكس من نكست الشيء قلبته على رأسه فانتكس والمراد هنا قلب الوجوه وردها نحو القفا قوله وقد يطلق بمعنى الطلس من طلسه يطلسه فالطلس بالفارسية تأبديد كردن فالطمس على كل من هذين المعنيين يناسب المحو ويجوز أن يراد بالطمس في الآية معناه المجازي وهو أن يكون بمعنى مطلق القلب والتغيير وطمس الوجوه على هذا يحتمل معنيين أحدهما تقبيح صورهم يقال طمس اللّه وجهه كقولك قبح اللّه وجهه وهو المعنى بقوله من قبل أن نغير وجوها فتسلب وجاهتها الخ والثاني إزالة آثارهم عن بلاد العرب ومحو أحوالهم عنها وهذا هو المراد من قوله : أو نردها إلى حيث جاءت منه فقوله : أو نردها عطف على نكسوها لا على نغير وجوها .