تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 505

مساهمون:

ص٥٠٥
نقل عن الحسن أنه قال معناه قولوا ربنا لا تؤاخذنا على التعليم أحسن مما قيل لسلامته عن الاعتذار المذكور وله نظائر كثيرة في القرآن . قوله : ( أي لا تؤاخذنا بما أدى بنا إلى نسيان أو خطأ من تفريط وقلة مبالاة أو بأنفسهما إذ لا ممتنع المؤاخذة بهما عقلا فإن الذنوب كالسموم فكما أن تناولها يؤدي إلى الهلاك وإن كان خطأ فتعاطي الذنوب لا يبعد أن يفضي إلى العقاب وإن لم يكن عزيمة لكنه تعالى وعدا التجاوز عنه برحمة وفضلا ويجوز أن يدعو الإنسان به استدامة واعتدادا بالنعمة فيه ) أي لا تعاقبنا وصيغة المفاعلة للمبالغة لا للمغالبة بما أدى بنا إلى نسيان أو خطأ من قلة المبالاة وترك التحفظ والتحري وغيرهما مما يدخل تحت وسعنا وقدرتنا فيدخل تحت التكليف أيضا أي المسؤول عفوا لسبب المؤدي إلى النسيان لا نفسه إذ هو مرفوع لقوله عليه السّلام « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » فيكون مجازا بطريق ذكر المسبب وإرادة السبب أو المطلوب أنفسهما « 1 » فإنهما وإن تجاوز اللّه تعالى عنهما فضلا لكن المؤاخذة عليهما غير ممتنعة عقلا إذ الحسن والقبح العقليان بط فيجوز أن يدعو الإنسان به اعتدادا بتلك النعمة الجسمية وأما قوله استدامة فلا يعرف وجهه إذ بعد انقطاع الوحي لا مجال لخلافه والحمل على ابتداء الإسلام ضعيف ولعل منشأ ذلك القول النسيان وأما القول ووعده تعالى بعدمه لا يوجب استحالة وقوعه فإن ذلك من آثار فضله ورحمته فتركه أولى من ذكره فإن وعده تعالى يوجب استحالة وقوعه وإلا لزم الكذب تعالى عن ذلك علوا كبيرا وقد صرح المشايخ برمتهم أن خلف الوعد محال فكيف يقال إنه لا يوجب قوله : أي لا تؤاخذنا بما أدى بنا إلى نسيان أو خطأ لما كان النسيان والخطأ من العبد مما لا يؤاخذ عليه لقوله عليه الصلاة والسّلام « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان » لما أنهما ليسا في وسع العبد ومن المعلوم أن لا معنى لطلب ترك المؤاخذة فيما لا يؤاخذ عليه أخرجه عن ظاهره بحمل النسيان والخطأ إلى فعل اختياري يؤدي إليهما فقوله من تفريط وقلة مبالاة بيان ما أدى إلى النسيان والخطأ قوله أو بأنفسهما أي أو بأنفس النسيان والخطأ عطف على بما أدى فورد عليه أن نفس الخطأ والنسيان لا يؤاخذ عليها فما معنى طلب ترك المؤاخذة عليها فدفعه بأنهما لا يمتنع المؤاخذة بهما عقلا أي وهما وإن كانا مما لا يؤاخذ بهما شرعا لكنهما لا يمتنع المؤاخذة بهما عقلا وبينه بقوله فإن الذنوب كالسموم الخ وفي الكشاف فإن قلت النسيان والخطأ متجاوز عنهما فما معنى الدعاء بترك المؤاخذة بهما قلت ذكر النسيان والخطأ والمراد بهما ما هما مسببان عنه من التفريط والاغفال ألا ترى إلى قوله
وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ
[ الكهف : 63 ] والشيطان لا يقدر على فعل النسيان وإنما يوسوس فتكون وسوسته سببا للتفريط الذي منه النسيان قوله النسيان والخطأ متجاوز عنهما قيل هو على مذهب المعتزلة فإنهم لا يجوزون المؤاخذة عليهما بناء على التحسين والتقبيح
هامش
( 1 ) قيل هذا إنما يتم على مذهب من جوز التكليف بغير المقدور وأما على مذهب كثير من أهل السنة والمعتزلة من أنه لا يجوز عقلا فيمتنع المؤاخذة بهما إذ يمتنع كونهما ذنبين انتهى إن أراد أنه ممتنع بالذات فغير مسلم وإن أراد أنه ممتنع بالغير فغير مضر .