يكلف إلا بقدر قدرتها ومبنى المعنى الثاني أنه مصدر بمعنى المشتق وعلى كلا التقديرين في النظم الكريم مبالغة حيث أطلق الوسع الذي هو مصدر على ما تسعه القدرة في الاحتمال الأول ولعل هذا مراد من قال الوسع اسم لما يسع الإنسان ولا يضيق عنه أو أطلق على الواسع وهو المراد بقوله أو ما دون مدى طاقتها أي ما دون غاية طاقتها وقيل على المعنى الأول المراد بالوسع القدرة أي لا يكلفها إلا ما تقدر عليه وعلى الثاني ما يسهل عليه من القدور فهو أخص كما إذا كان في قدرته أن يصلي ستا فأوجب خمسا فالواجب دون مدى طاقته أي غايتها ونهايتها انتهى ولا ريب أن القدرة كما عرفت عامة للقدرة الممكنة وهي أدنى ما يتمكن به المأمور على أداء المأمور به القدرة الميسرة وهي ما يوجب اليسير على الأداء والأولى أي القدرة الممكنة لأداء « 1 » كل واجب فضلا من اللّه تعالى بدنيا كان أو ماليا فالأولى الاكتفاء بالمعنى الأعم وهو المعنى الأول وأما المعنى الأخص فلا يتناول ما لا يوجب اليسر .
قوله : ( فهو يدل على عدم وقوع التكليف بالمحال ولا يدل على امتناعه ) بالمحال أي بالمحال لذاته فإنه متنازع فيه فإنه عند الأشعري جائز لكنه غير واقع للاستقراء وعند المعتزلة غير جائز وأما الممتنع لغيره كتعلق علم اللّه بخلافه فلا كلام في وقوعه فضلا عن جوازه وما يمكن في نفسه ولا يمكن من العبد مثل الطيران فلا كلام في جوازه لكنه غير واقع بالاستقراء وقد مر الكلام مفصلا في تفسير قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ البقرة : 6 ] الآية .
قوله : ( من خير من شر لا ينتفع بطاعتها ولا يتضرر بمعاصيها غيرها لا ينتفع بطاعتها ) إشارة إلى الحصر المفهوم من تقديم الخبر « 2 » لكن الحصر المستفاد كون الخبر مقصورا على الاتصاف بكونه لها لا لغيرها فيكون من قبيل قصر الموصوف على الصفة لا على العكس ويلزمه كون الطاعة مقصورا عليها وما ذكره المص حاصل القصر المستفاد من النظم وكذا الكلام في قوله ولا بتضرر الخ أو انتفاع الأبوين مثلا « 3 » بطاعة ولدهما باعتبار السببية فهما منتفعان بطاعتهما وهي السببية لا بطاعة ولدهما وكذا الكلام في الآثام فمعنى قوله عليه السّلام « من سن في الإسلام سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها » الحديث أنه لكونه سببا فله وزر سببية ذلك العمل لا نفس العمل .
قوله : وهو يدل على عدم وقوع التكليف بالمحال إذ لو وقع لزم الكذب في كلامه تعالى عن ذلك علوا كبير .
قوله : ولا يدل على امتناعه لأنه نفي مطلق ولا يلزم منه نفي المقيد الذي هو الامتناع لأن العام من حيث هو عام لا يدل على الخاص بوجه من الدلالات .
هامش
( 1 ) قوله لأداء كل واجب أشار به إلى أن القدرة ليست بشرط للواجب نفسه لخصوم المريض والمسافر فإنه واجب عليهما ولا تكليف عليهما إذ التكليف هو طلب ايقاع الفعل من العبد وتمام البحث في التلويح .
( 2 ) لما اشتمل القصر النفي والاثبات أشار إلى معنى النفي في الموضعين إذ الإثبات مصرح في النظم الكريم .
( 3 ) فيكون ح قصر الصفة على الموصوف على تأويل .