سبيل الكفاية قوله شهادة فأي شهادة أعلى مرتبة من تلك الشهادة ولذا مدح الملائكة الكروبيين بالإيمان بقوله
وَيُؤْمِنُونَ بِهِ
[ غافر : 7 ] إظهارا لفضل الإيمان وتعظيما لأهله وترغيبا لغيره وهذا ينتجه شهادته تعالى وحكمته .
قوله : ( على صحة إيمانه والاعتداد به وأنه جازم في أمره غير شاك فيه ) الأولى على قوة إيمانه الفائق على إيمان غيره من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين والمراد بإيمانه الإيمان الحادث بعد الوحي أو الإيمان بما لا طريق إليه إلا السمع قال تعالى :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا
[ الشورى : 52 ] الآية قال المص في تفسير قوله تعالى :
ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ
[ الشورى : 52 ] أي قبل الوحي وهو دليل على أنه لم يكن متعبدا قبل النبوة بشرع وقيل المراد وهو الإيمان بما لا طريق إليه إلا السمع .
قوله : (
كُلٌّ آمَنَ
) [ البقرة : 285 ] قيل إن عطف المؤمنون على الرسول كان التنوين في كل عوضا عن الضمير الراجع إلى الرسول والمؤمنين أي كلهم آمن لكن الأولى أن يكون والمؤمنون مبتدأ وقوله تعالى
كُلٌّ
مبتدأ ثان وقوله تعالى
آمَنَ
خبره والجملة خبر للمبتدأ الأول والرابط الضمير الذي ناب منابه التنوين أي كل واحد منهم فلذا قيل آمن دون آمنوا لأن المراد بيان إيمان كل فرد على حياله فحينئذ يكون إفراد الرسول عليه السّلام ببيان إيمانه لتعظيمه « 1 » والتنبيه على أن إيمانه من جهة الكيف لا يماثله إيمان أحد وأن تصديقه بالحدس لا بالاستدلال وإن كان من الدليل وإيمان غيره بالاستدلال والبرهان فكأنهما نوعان وقيل لأن إيمانه عن مشاهدة وعيان وإيمانهم عن نظر وبرهان وفيه تأمل « 2 » يعرف بصدق الجنان باللّه إيمانا معتدا به لا كإيمان أهل الكتاب وملائكته من حيث
بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
وأنهم وسائط بين اللّه والرسل في إنزال الكتب وإلقاء الوحي وعن هذا قدم الملائكة على الكتب والكتب على الرسل مع أن الرسل أفضل منهم ولم يذكر الإيمان باليوم الآخر لاندراجه في الإيمان برسله وبكتبه وذكره في بعض المواضع لمزيد التوضيح والاكتفاء بالإيمان باللّه واليوم الآخر في بعض المواضع لكونه المقصود الأعظم من الإيمان ولكونهما جانبي الإيمان وقطريه .
قوله : ( لا يخلو من أن يعطف المؤمنون على الرسول فيكون الضمير الذي ينوب عنه التنوين راجعا إلى الرسول والمؤمنين أو يجعل مبتدأ فيكون الضمير للمؤمنين ) لا يخلو من أن يعطف المؤمنون الخ قد عرفت ما هو الأولى وما ظهر من تقديم هذا أنه هو الراجح عنده ولا يخفى ضعفه لأنه قلما يجمع مع غيره في الذكر قيل ويمكن أن يقال إفراد الرسول لأن إيمانه بجميع ما أنزل إليه تفصيلي بخلاف المؤمنين فإنهم المؤمنون به إجمالا وقلما يتيسر لهم التفصيل وهو ضعيف لأن المص قال في تفسير قوله تعالى :
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما
هامش
( 1 ) كأنه عليه السّلام ليس من نوعهم .
( 2 ) قال في تفسير قوله تعالى :وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتىإنما سأل ذلك ليصير علمه عيانا فعلم أن إيمانه قبل ذلك برهاني ولا قائل بالفصل بين نبي ونبي فتأمل حق التأمل .