لأن ظاهره إدخال الإرادة في أن تضل ولا يخفى عدم استقامته فادخل على أن تذكر ميلا إلى المعنى وعدل عن ظاهر التقدير ولا يخفى حسنه في التعبير المريد هو اللّه تعالى « 1 » لأنه حكمة اعتبار الشارع العدد لا غرض الاستشهاد فإنه لا يخطر ببال المستشهد بل يستشهد بهذا العدد متابعة لأمر الشارع هكذا يستفاد من الكشاف وشرح المحقق التفتازاني كذا قيل وهنا كلام طويل لبعض المحشين لا طائل تحته عند المحققين .
قوله : ( وفيه إشعار بنقصان عقلهن وقلة ضبطهن ) حيث أقيم امرأتان مقام رجل واحد وعلل بما ذكر .
قوله : ( وقرأ حمزة « 2 » أن تضل على الشرط فتذكر بالرفع ) فحينئذ لا تكون علة بل فعلا لفاعل الفعل المعلل ليس ما هو مسبب عن الضلال وهو التذكير فعلا له أيضا وجب تقدير الإضافة إرادة وأن يراد من أن تضل أن تذكر وفي الكشاف لما كان الضلال مسببا للإذكار والإذكار مسببا عنه وهم ينزلون كل واحد من السبب والمسبب منزلة الآخر لتناسبهما واتصالهما كانت إرادة الضلال المسبب عنه الإذكار وإرادة للإذكار فكأنه قيل أمرنا باستشهاد امرأتين مع رجل إرادة أن تذكر إحداهما الخ والفعل المعلل على الأول هو الأمر بالاستشهاد وعلى الثاني نفس الاستشهاد وعلى التقديرين يكون الإرادة المذكورة فعلا لفاعل الفعل المعلل كما قالوا إن المراد بقوله :
( فليشهد ) ليس أمر الرجل وامرأتين بتحمل الشهادة لأن الكلام في العاملين بل أمرهم باستشهادهم فيكون التقدير فإن لم تستشهدوا رجلين فاستشهدوا رجلا وامرأتين وحقيقته أمر اللّه أن يستشهدوا فجعل الضلال مجازا عن التذكير ثم قدر الإرادة فصح بذلك جعله مفعولا له للأمر الذي هو الفعل المعلل وصح نصبه به لأن الإرادة والأمر كلاهما فعل الآمر وهو اللّه تعالى لا المخاطبون أو يقال حقيقة فليشهد أمر اللّه أن يشهد فجعل فاعل الفعل هو اللّه تعالى لا امرأتان لأنه في بيان غرض الشارع من الأمر باستشهاد المرأتين لا بيان غرضهم وذلك لأن النسيان غالب على طباع النساء لكثرة الرطوبة في أمزجتهن واجتماع المرأتين على النسيان أبعد في العقل من نسيان المرأة الواحدة فلهذا أقام الشرع المرأتين مقام الرجل الواحد حتى أن إحدايهما إن نسيت ذكرتها الأخرى قال بعضهم ومن الغلط في هذا المقام أن المراد من الضلال الإذكار اطلاقا لاسم السبب على المسبب لظهور أنه لا يبقى حينئذ لقوله تعالى :
فَتُذَكِّرَ
[ البقرة : 282 ] معنى بل تحقيق الكلام فيه أن الإرادة لم تعلق بالضلال نفسه أعني عدم الاهتداء للشهادة بل بالضلال المرتب عليه التذكير ومن قواعدهم أن القيد في الكلام يكون هو المصب للغرض والمرجع للفائدة فصار كأنه علق الإرادة بالإذكار المسبب عن الضلال أقول هذا كلام جيد لأنه آخذ باللب والخلاصة لكن لا يبقى حينئذ لقول المص وصاحب الكشاف إن ضلت فائدة لإغناء قوله أن تضل عنه .
قوله : فيذكر بالرفع وإنما لم يجزم والحال أنه جواب الشرط لئلا يجتمع علامتا الجزاء في لفظ واحد وهما الفاء والجازم .
هامش
( 1 ) لا المستشهد . لما كان الضلال سببا .
( 2 ) كلمة الشك هنا بالنسبة إلى وقوعه في نفسه وهو محتمل الوقوع واللاوقوع لا بالنظر إلى قائله تعالى .