قوله : ( ولا يمتنع أحد من الكتاب ) ولا يمتنع بالجزم أحد من الكتاب إشارة إلى أن كاتبا لكونه في سياق النهي يعم جميع الكتاب ولم يجمع لأن استغراق المفرد أشمل حتى قيل إن الكتاب أكثر من الكتب كما سيجيء لكن المراد الكتاب الفقهاء « 1 » المتدينين الأتقياء كما سبق بيانه الأوفى فعمومه على هذا الوجه أولى .
قوله : ( أن يكتب كما علمه اللّه مثل ما علمه من كتبة الوثائق ) أن يكتب مفعول به بالحذف والإيصال والكاف في محل النصب على أنه صفة لمصدر محذوف وما موصولة أو موصوفة والعائد محذوف فتفسير المص بيان حاصل المعنى والمعنى أن يكتب كتبا مثل ما علمه تعليم اللّه كتبه ومعنى تعليم اللّه تعالى التمكين منه بخلق القوى والقدرة والملكة التامة وقيل إن ما موصولة أو موصوفة فالكاف في موضع المفعول المطلق أي كتابة مثل كتابة ما علمه اللّه تعالى أي علم كتابة الوثائق بذلك الطريق انتهى فقدر مضافا والظاهر أنه لا حاجة إليه وقال النحرير التفتازاني هذه العبارة مشعرة بأن ما مصدرية أو كافة ومفعول علم محذوف أي أن يكتب على الوجه الذي علمه اللّه تعالى انتهى ولا يخفى عليك أنه لا يظهر من كلام الشيخين أن ما مصدرية إلا أن يقال إن ما ذكره الشيخان حاصل المعنى .
قوله : ( أو لا يأب أن ينفع الناس بكتابته كما نفعه اللّه بتعليمها كقوله
وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ
) [ القصص : 77 ] أي يجوز أن يكون ما مصدرية أي لا يأب كاتب أن يكتب كتابة مماثلة لتعليم اللّه تعالى إياه في كونها بلا جر نفع فيكون المنهي عنه امتناعه من الكتابة بغير أجر لكن هذا الاحتمال بعيد ولذا أخره وفي الكشاف وعن الشعبي هي فرض كفاية والنهي عن امتناعه من الكتابة بغير أجر مستفاد من التشبيه إذ تعليم اللّه تعالى بلا عوض وأشار إليه بقوله كقوله تعالى :
وَأَحْسِنْ
[ القصص : 77 ] الآية .
قوله : ( تلك الكتابة المعلمة أمر بها بعد النهي عن الإباء عنها تأكيدا ) أشار إلى اختيار قوله : ولا يمتنع أحد من الكتاب هذا العموم مستفاد من منكر كاتب ووقوعه في سياق النفي .
قوله : تلك الكتابة العلة أو العلة بتعليم اللّه .
قوله : أمر بها بعد النهي عن الآباء من الكتابة المتصفة ثم أمر بالكتابة المطلقة بقوله فليكتب فيحمل على المقيد تأكيدا ولذا قال فليكتب تلك الكتابة المقيدة المعلمة إشارة بأن الكتابة المأمور بها بقوله فليكتب تلك الكتابة المقيدة التي نهي عن الآباء عنها وإنما احتيج إلى التوكيد لأن النهي عن الشيء ليس أمرا بضده صريحا اعتناء لشأن الكتابة ومن هنا ذهب بعضهم إلى أن الأمر للوجوب ومن فروض الكفاية ولكن الأمر لما كان لنا لا علينا صرف عن ذلك لئلا يعود على موضوعه بالنقض وأما الوجه الثاني وهو قوله ويجوز أن يتعلق الكاف بالأمر فلا يفيد التأكيد لأن
هامش
( 1 ) يعني أن الكلام مسوق لمعنى ويدمج فيه آخر بإشارة النص وهو اشتراط الفقاهة فيه لأنه لا يقدر على التسوية في الأمور الخطرة إلا من كان فقيها ولا يراعى فيه بعد الفقاهة إلا من كان متدينا متخشعا ولا بعد في ثبوت اشتراط الفقاهة باقتضاء النص .