قوله : ( أن تجعل الناس مهديين وإنما عليك الإرشاد والحث على المحاسن والنهي عن القبائح كالمن والأذى وإنفاق الخبيث ) أي إن هدي هنا بمعنى الهداية المتعدية وهي خلق الاهتداء أو الدلالة الموصلة إلى البغية وكلاهما غير واجبين عليه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم بل لا قدرة له عليه السّلام وإنما قال لا يجب لمكان لفظة على وأما الهداية بمعنى الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب فواجب عليه وإلى هذا أشار بقوله وإنما عليك الإرشاد والحث على المحاسن الخ إشارة إلى التبليغ والمراد بالمحاسن كونها محاسن بعد الأمر وكذا الكلام في المقابيح هذا على مذهب المص قوله كالمن والأذى مثال للمقابيح وأشار إلى أن هذا الكلام مرتبط بما قبله مثال المحاسن كالإنفاق من الطيبات وقول معروف والتصدق بالإخفاء .
قوله : (
وَلكِنَّ اللَّهَ
) [ البقرة : 251 ] الآية استدراك مما قبله إذ المعنى :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
الآية وقد عرفت أن المراد الهداية بمعنى خلق الاهتداء في جانب المنفي والمثبت .
قوله : ( صريح بأن الهداية من اللّه تعالى وبمشيئته وإنما تختص بقوم دون قوم ) وبمشيئته لا لكونه واجبا عليه « 1 » وأنها أي الهداية المخصوصة تختص بقوم وأما الهداية بمعنى الإرشاد فيعم جميع العباد من نفقة معروفة من مقتضيات المقام .
قوله : (
وَما تُنْفِقُوا
) التفات من الغيبة إلى الخطاب وما شرطية « 2 » .
قوله : ( من نفقة ) أشار به إلى أن لفظة من بيانية وأن المراد بالخير النفقة .
قوله : ( معروفة ) أي مستحسنة شرعا ومروءة قال المص في تفسير قوله تعالى :
إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ
[ البقرة : 180 ] الآية الخير هو المال الكثير وعن ههنا اختار بعضهم أن من تبعيضية وأن المعنى أي شيء تنفقوا كائنا من مال انتهى وحسنه لا يخفى إذ كون الخير نفقة باعتبار المجاز الأولى فإن كونه نفقة بعد الإنفاق .
قوله : ( فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم فلا تمنوا عليه ولا تنفقوا الخبيث ) أي لا ينتفع بثواب يعني أن اللام للاختصاص وللقصر لكن كون اللام للاختصاص الثبوتي وهو قوله : صريح بأن الهداية من اللّه وبمشيته قال صاحب الكشاف بلطف بمن يعلم أن اللطف ينفع هذا تفسير على وفق مذهبه أن العبد يخلق الهداية في نفسه وليس من اللّه إلا اللطف وعندنا أهل السنة والجماعة أن الهداية من اللّه وهي مسألة خلق الأفعال .
قوله : فلا تمنوا عليه ولا تنفقوا الخبيث يعني أن نفع الإنفاق لما عاد عليكم لم يبق للمن والأذى وجه أن نفقتكم لما كانت لابتغاء وجه اللّه لم يجز الإنفاق والمن من الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) خلافا للمعتزلة فإنهم ذهبوا إلى أن الأصلح واجب عليه .
( 2 ) منصوبة المحل على المفعولية جازم لتنفقوا .