حصل في جانب المشبه الأعمال الحسنة فكما بطل ذات الأعمال بما يحبطها بعد الحصول كذلك فسدت ذات الثمار بالآفة المذكورة بدون الانتفاع فلا فرق بينهما كما توهم وما اختاره المص موافق لما سبق وأما التمثيل بحال من كان له عمل صالح ثم فعل ذنبا يجعل العمل عوضا لذنبه كمن ضرب وأذى المسلمين فلا يناسب المقام ولا يفهم من الكلام .
قوله : ( وأشبههم به من حال يسره في عالم الملكوت وترقى بفكره إلى جناب الجبروت ) بحال من هذا شأنه وهذا وإن كان أشد مشابهة به لكن قد عرفت أن المنفهم من الكلام أحوال الإنفاق لأن الكلام فيما قبله مسوق لبيان حاله والمراد بالتمثيل هنا الاستعارة التمثيلية لعدم ذكر المشبه به فالمفهوم من الكلام كون الهيئة المنتزعة من الأمور العديدة الهيئة المأخوذة من أحوال المنفق والمراد بعالم الملكوت عالم الغيب والمراد بترقي بفكره السفر في العرفان والاستغراق في ملاحظة جلال اللّه تعالى وجماله بالبرهان بحيث أن يكون مترقيا من البرهان إلى مرتبة كالعيان والخوض في لجة الوصول إلى الرضوان .
قوله : ( ثم نكص على عقبيه إلى عالم الزور والتفت إلى ما سوى الحق وجعل سعيه هباء منثورا ) النكوص الرجوع قهقريا على عقبه كناية عن تنزله من هذا المقام العالي إلى أسوء الحال الطاغي بإدراك الشقاوة والخذلان لعدم محافظة حدود مقام العرفان نسأل اللّه العافية وحسن الخاتمة والتفت إلى ما سوى الحق التفاتا بحيث خرج عن طاقة المولى وترجيح اللذة العاجلة على العقبى وخرج عنقه عن ربقة الإيمان ولا بس الكفر والطغيان وعن هذا قال وجعل سعيه الخ . ولا ينظر في الاستعارة التمثيلية إلى المناسبة بين المفردات فالاشتغال ببيانها بأن ذكر الإعصار لكونه شبيها بالرياء الغالب والاحتراق لكونه شبيها بإفساد الرياء بالأفعال الحسنى إلى غير ذلك ليس من الأمور « 1 » المهملة وإن لم يكن خاليا عن الفائدة .
قوله : وأشبههم به من حال أشبه على لفظ أفعل التفضيل وهو مبتدأ خبره من حال والضمير المجرور والمضاف إليه عائد إلى من يعمل باعتبار المعنى والضمير المجرور في به إلى من في قوله بحال من هذا شأنه أي أشبه من يعمل أفعال الحسنة ويضم إليها ما يحبطها ثم وجدها يوم القيامة عند اشتداد الحاجة إليه محبطة بمن له جنة الخ من حال يسره الخ نقله الطيبي عن القاضي البيضاوي رحمه اللّه ثم قال جعل الشبه حال المنفق أوفق لتأليف النظم لأن هذه الآية مقابلة لقوله :
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ
[ البقرة : 265 ]
وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ
[ البقرة : 265 ] ثم قال وله أي وللقاضي البيضاوي أن يقول دلالته عليه على سبيل الإدماج لا ينافي ذلك ثم قال لكن قوله أشبههم ينافيه أقول لا ينافيه لأن معناه أشبههم حالا .
هامش
( 1 ) وذكر الجنة له ثمرة لكون الأعمال الصالحة مشابهة لها في ترتب الانتفاع إذا خلا عن الإفساد وذكر الكبر لكون أحوال القيمة شبيهة له في فوت تحصيل التدارك وذكر له ذرية ضعفاء لكون المعاصي التي يحتاج في محوها ودفعها إلى وجوه يدفع بها تلك المعاصي مشابهة بتلك الذرية فتأمل على بصيرة وسليقة سليمة .