لا يؤوده شاق ولا يشغله شأن متعال عما يدركه وهم عظيم لا يحيط به فهم ) ذو البطش الشديد مفهوم من قوله :
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ
الآية العالم وحده مأخوذ من قوله
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
[ البقرة : 255 ] إلى قوله :
إِلَّا بِما شاءَ
[ البقرة : 255 ] جليها وهو المحسوسات وخفيها المغيبات كليها وجزأيها على وجه جزئي وفيه رد للحكماء في قولهم إنه يعلم الجزئيات المادية على وجه كلي وجه الاستفادة أنه فسر ما بين أيديهم بالوجوه الأربعة مآلا أو الستة « 1 » ظاهرا وهي عامة لما ذكر ولا يقال إنه فسر الأيدي بالمحسوسات والمحسوسات هي الجزئيات وفسر ما خلفهم بالمعقولات وهي شاملة للكليات لأنه قاصر غير متناول لسائر الوجوه واسع الملك مأخوذ من قوله :
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ
الآية كأنه اختار القول بأن الكرسي « 2 » مجاز عن ملكه وإلا فعلى الاحتمال الأول فالمعنى وعظيم لا يحيط به فهم وعلى الرابع واسع العلم التام الذاتي وعلى الثاني وله كرسي عظيم ملكا وتصرفا ولعل وجهه أن المعنى الأول مستفاد من قوله العظيم وكذا الثاني أيضا والمعنى الثالث مآل قوله
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
[ البقرة : 255 ] فالتأسيس أولى من التأكيد لكن التكرار للتأكيد من شعب البلاغة كما صرح به في سورة المرسلات .
قوله : ( ولذلك قال النبي عليه السّلام إن أعظم آية في القرآن آية الكرسي من قرأها بعث اللّه ملكا يكتب من حسناته ويمحو من سيئاته إلى الغد من تلك الساعة ) إن أعظم آية أي أفضل آية ثوابا والآية يراد بها الجنس فلذا أضيف إليها الأعظم والمعنى أن أعظم الآيات من بينها في القرآن احتراز عن آية التورية والإنجيل آية الكرسي لاشتمالها على أمهات مسائل الاعتقادية من توحيد اللّه تعالى ووجوب الوجود والعلم التام كما فصله آنفا من قرأها بمراعاة التجويد لا سيما بملاحظة معانيها بقلب سديد بعث اللّه ملكا الظاهر أنه غير الحفظة والمراد من السيئات الصغائر هذا الحديث ذكره النووي في شرح مسلم وقال القاضي عياض أنه حجة لمن قال إن بعض القرآن يفضل على غيره وفيه خلاف فمنعه بعضهم كالأشعري والباقلاني وغيرهما لاقتضائه نقص المفضول وكلام اللّه تعالى لا نقص فيه فأعظم بمعنى عظيم وأفضل بمعنى فاضل وأجازه إسحاق بن راهويه وكثير من العلماء والمتكلمين وهو يرجع إلى عظيم أجر قارئه كذا قيل والأخبار الواردة في تفضيل بعض الآيات على بعض وبعض السور على بعض منها كثيرة جدا وجاء في الحديث « أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن » قولهم لاقتضائه نقص المفضول إن أرادوا به نقص المفضول في كونه كلام اللّه تعالى فلا تم ذلك وإن أرادوا نقص المفضول من جهة الثواب ففساده
هامش
( 1 ) وجه كونها ستة بملاحظة قوله وبالعكس في الموضعين وجه كونها أربعة لأن مآل الأصل والعكس واحد .
( 2 ) وترجيح كون الكرسي تصويرا لعظمته أصل في نفسه وأما إذا جمع مع ما يفيد العظمة فيضار إلى معنى آخر يناسب المقام كما فيما نحن فيه فإنه لما فهم من قوله العظيم كمال عظمته ويعلم ما بين أيديهم علمه الشامل حمل وسع كرسيه على المالكية لكن لا مانع من حمله على الكرسي ظاهرا لكن المراد به أيضا كمال العظمة فاختار المالكية .