فيه من جملة المخلوقين المحتاجين إلى تدبيره تعالى وحفظه قوله مبرء عن التغير والفتور مفهوم من قوله
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
[ البقرة : 255 ] لأنهما مستلزمان للتغير « 1 » ومنشأوهما الفتور ولما كان التغير والفتور المخصوصان بالسنة والنوم منفيين كان مطلق التغير والفتور منفيا لأن السبب وهو كونه تعالى واجبا وجوده مقيما لغيره يقتضي نفي التغير والفتور كليا فلذا قال مبرء عن مطلق التغير والفتور قوله لا يناسب الأشباح جمع شبح بمعنى الهيكل ومقابل الأرواح ولهذا قال ولا يعتريه ما يعتري الأرواح وهو مفهوم من قوله :
لا تَأْخُذُهُ
الآية إذ كل حيوان تأخذه السنة فالمراد بالأشباح أشباح الحيوان بقرينة ولا يعتريه الخ ومعنى لا يناسب لا يشابه والقول بأن هذا مأخوذ من القيوم بعيد .
قوله : ( مالك الملك والملكوت ومبدع الأصول والفروع ) مستفاد من قوله
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
[ البقرة : 255 ] والمراد بالملك عالم الشهادة والملكوت عالم الغيب إذ قد عرفت أن المراد به جميع الحوادث ظواهرها ومغيباتها الأولى مالك الملك والملكوت وحده ومبدع الأصول والمراد بها السماوات والأرض والفروع ما ينشأ منها من النباتات وسائر المأكولات فإن عموم الحيوانات يتكون منها وأشار إلى أن معنى له ما في السماوات وما في الأرض ملكا وخلقا والواو لا يقتضي الترتيب فلا خلل في ذكر الخلق والإبداع ثانيا .
قوله : ( ذو البطش الشديد الذي لا يشفع عنده إلا من أذن له العالم وحده بالأشياء كلها جليها وخفيها كليها وجزأيها واسع الملك والقدرة كل ما يصح أن يملك ويقدر عليه قوله : ذو البطش الشديد مأخوذ من معنى
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ
[ البقرة : 255 ] فإنه كما ذكر بيان لكبرياء شأنه .
قوله : العالم وحده بالأشياء كلها مفهوم قوله تعالى :
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ
[ البقرة : 255 ] مع ما بعده النافي للعلم عن غيره جليها وخفيها الجلا معنى الجلا مستفاد من ما بين أيديهم ومعنى الخفاء من ما خلفهم وقد ذكرنا أن ما بين أيديهم مناسب لمعنى الشهود والحضور وما خلفهم ملائم للغيبة والكمون .
قوله : كليها وجزئيها هذا العموم مستفاد من لفظ العموم في الموضعين أعني لفظ ما في محلين .
قوله : واسع الملك والقدرة على كل ما يصح معنى قوله :
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[ البقرة : 255 ] وتقييد الملك والقدرة بكل ما يصح بناء على أن الممتنع بالذات لا يدخل تحت القدرة .
قوله : متعال عما يدركه وهم هذا التقييد لا يناسب تقييده السابق فإنه فسر العلي هناك بالمتعالي عن الأنداد والأشباه وهنا بأنه متعال عما يدركه وهم والأولى أن يقسر العلي بالمتعالي عن كل ما لا يليق بجنابه ليشمل الكل برشدك إليه ذكره مطلقا عن المقيدات .
هامش
( 1 ) والتغير لازم متأخر والفتور سبب مقدم على السنة والنوم .