يدل على أن غيره تعالى لا يعلم شيئا إلا ما شاء اللّه تعالى أن يعلمه ببرهان أو حس أو خبر صادق وغير ذلك من أسباب العلم فالمطلب لا يدل عليه إحدى الجملتين فلذلك جمع بينهما وتقديم الأول لأنه في إثبات المطلوب هو المعول وأما كونه علما ذاتيا فلا دلالة عليه في الكلام ظاهرا إلا أنه مفهوم من عموم علمه بجميع خلقه قوله الدال على وحدانيته بيان ارتباط الجملتين بما قبلهما وجه الدلالة إن من كان إلها معبودا بالحق لا بد أن يكون موصوفا بصفات الكمال التي من جملتها العلم الذاتي الشامل ومن جملة حسن موقعه أنه لما ذكر أنه تعالى الحي القيوم والحي من يصح أن يعلم ويقدر وكل ما يصح له فهو واجب ذكر أنه يعلم الأشياء كلها تحقيقا لما ذكر والقيومية لما كان موقوفا على العلم التام الشامل ذكر أنه تعالى يعلم أحوال الخلق الذي هو القائم بتدبيره وحفظه توضيحا لقيوميته وتقريرا لكمال حفظه ولم يقل ولا يعلمون بشيء من علمه إلا بما شاء تنبيها على أن المراد العلم الكامل على ما هو الشيء عليه تصورا كان أو تصديقا ولكون المراد بالإحاطة العلم الكامل قدر مفعول شاء العلم فقال أن يعلموا .
قوله : ( تصوير لعظمته وتمثيل مجرد كقوله تعالى :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
[ الزمر : 67 ] ولا كرسي في الحقيقة ولا قاعد ) وتمثيل مجرد عطف العلة على المعلول يعني أنه استعارة تمثيلية بتشبيه الهيئة المنتزعة من الأمور العديدة وهي ذاته العلى وعظمته الكبرى المحقق في العقل بعظمة من يكون له كرسي لا يضيق عن السماوات والأرضين بل هما بالنسبة إليه كحلقة في فلاة وهذا متوهم وليس بمحقق لأن المشبه به لا يجب أن يكون محققا فأطلق اللفظ المركب الدال على المعنى الحسي المتوهم « 1 » على المعنى المحقق العقلي تصويرا لعظمته إذ التشبيه يريك المتخيل محققا والمعقول محسوسا وكذا الكلام في تحقيق تمثيل القبضة وطي السماء .
قوله : تصوير لعظمته وتمثيل مجرد أي هو تصوير لعظمته تعالى على سبيل المجاز المبني على الكناية فهو استعارة تمثيلية مبنية على الكناية لأن الكرسي ما يقعد عليه فلا شك أن من يقعد على الكرسي يكون له عظمة ثم إن ذلك الكرسي كلما كان أعظم يكون عظمته أكثر فما ظنك إذا كان سعة كرسيه السماوات والأرض ولا كرسي ثمة ولا قعود كما في الرحمن على العرش استوى فإنه كناية عن الملك والسلطنة على ما سيجيء إن شاء اللّه تعالى قالوا إن هذا كله نظر من المعنى إلى اللفظ لا من اللفظ إلى المعنى والواجب ذلك فإن اللفظ يصحح على المعنى والمعنى لا يصحح على اللفظ بناء على أن العقل أصل في أمثال هذه المواضع فإن ساعده اللفظ وإلا أول بتأويل صحيح يطابقه الشرع قوله وقيل مجاز عن علمه وأملكه فالمعنى وسع علمه أو وسع ملكه مأخوذ من كرسي العالم والملك فيكون من باب إطلاق لفظ المحل على الحال فإن العالم محل العلم والكرسي محل العالم ومحل المحل محل .
هامش
( 1 ) وكون المشبه به متوهما غير محقق صرح به صاحب الكشاف في قوله تعالى :خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْالآية على توجيه .