تفضيل بعضهم على بعض ) بحسب حكم التفصيل فإنه ظني جائز وأما بحسب الحكم الإجمالي فقطعي واجب الاعتقاد يكفر جاحده لأنه يؤدي إلى إنكار هذه الآية وقوله تعالى :
وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ
[ الإسراء : 55 ] والمعتقد المعتمد أن أفضل الأنبياء نبينا عليه السّلام وقد ادعى بعضهم الإجماع على ذلك كذا قاله علي القاري في شرح الفقه الأكبر ثم جده إبراهيم ثم نوح وموسى وعيسى عليهم السّلام لكنه على هذا التفضيل ظني .
قوله : ( ولكن بقاطع لأن اعتبار الظن فيما يتعلق بالعمل ) ليس المراد أنه يعلم من الآية المذكورة أن التفضيل لا يكون إلا بقاطع وإنما المراد أنه يعلم من الآية أن تفضيل بعضهم على بعض بطرق الإجمال قطعي كما مر بيانه فلا وجه لما قيل من أن دلالة لفظ الآية على التفضيل فظاهر وأما اشتراط الدليل القاطع ودلالة الآية عليه وكونه كذلك فليس بمسلم انتهى لأنه بناء على عدم الفرق بين الحكم الإجمالي وبين الحكم التفضيلي غاية الأمر لفظة لكن هنا ليس في محله ظاهرا .
قوله : ( وأن الحوادث كلها بيد اللّه تعالى تابعة لمشيئته خيرا كان أو شرا إيمانا أو الإيمان فلا بد في تفضيل بعضهم على بعض بشخصه من دليل قاطع ولا يكفي في ذلك مجرد الإجمال المدلول عليه بقوله :
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ
[ البقرة : 253 ] بل لا بد في تفضيل خصوصيات الأنبياء بعضهم على بعض من دليل قطعي يفيد القطع واليقين كما أنا نقول نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل الأنبياء واستدللنا عليه بقوله تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
[ الأنبياء : 107 ] فلما كان رحمة لكل العالمين لزم أن يكون أفضل من كل العالمين وبقوله تعالى :
وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ
[ الشرح : 4 ] فقيل فيه لأنه قرن ذكر محمد بذكره في كلمة الشهادة وفي الأذان وفي التشهد ولم يكن ذكر سائر الأنبياء كذلك ولأنه تعالى قرن طاعته بطاعته فقال ومن يطع الرسول فقد أطاع اللّه وقرن بيعته ببيعته فقال
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ
[ الفتح : 10 ] وعزته بعزته بقوله
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ
[ المنافقون : 8 ] ورضاه برضائه فقال
وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ
[ التوبة : 62 ] وإجابته بإجابته فقال
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ
[ الأنفال : 24 ] وبأن اللّه تعالى أمر محمدا بأن يتحدى بكل سورة من القرآن فقال
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
[ البقرة : 23 ] وأقصر السور سورة الكوثر فهي ثلاثة آيات فكان اللّه تحداهم بكل ثلاثة آيات من آيات القرآن ولما كان القرآن ستة آلاف آية وكذا آية لزم أن يكون معجز القرآن معجزا واحدا بل يكون ألفي معجز وأزيد وإذا ثبت هذا فنقول إن اللّه تعالى ذكر تشريف موسى بتسع آيات بينات فلأن يحصل لمحمد بهذه الآيات الكثير تشريفات كثيرة كان أولى وبأن من معجزة رسولنا القرآن وهو من جنس الحروف والأصوات وهي أعراض غير باقية وسائر الأنبياء الأمور الباقية ثم إنه تعالى جعل معجزة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم باقية إلى آخر الدهر مع أنها من جنس الغير الباقية ومعجزات سائر الأنبياء منقضية مع أنها من جنس الأمور الباقية ومن رام استثناء الكلام في هذا الباب فعليه بمطالعة التفسير الكبير للإمام ولا يظن أن قول المص ولكن يقاطع داخل في حيز دلالة الآية مع قوله وأنه يجوز تفضيل بعضهم على بعض إذ لا دلالة في هذه الآيات المذكورة على أن تفضيل بعضهم على بعض لا يجوز إلا بقاطع وإنما هو كلام مستطرد ذكره في أثناء مدلولات الآية .
قوله : وإن الحوادث بيد اللّه تابعة لمشيئته هذا المعنى مستفاد من قوله :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا