تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
وللمعرض للأمر ومعنى الآية على الأول لا تجعلوا اللّه حاجزا لما حلفتم عليه من أنواع الخير فيكون المراد بالإيمان الأمور المحلوف عليها ) فعلة بمعنى المفعول كغرفة وقبضة بمعنى المغروف والمقبوض أي صيغة موضوعة للمفعول أو مصدر ككدرة بمعنى المفعول تطلق لما يعرض دون الشيء أي عنده دون بمعنى عند وفي الكشاف وهي اسم ما تعرضه أنت دون الشيء من عرض العود على الإناء فيكون مفعولا بمعنى المعروض فإذا كان معروضا على الشيء من جانب الغير فيكون ذلك المعروض معترضا دونه ويصير حاجزا مانعا من ذلك الشيء ووصوله وبهذا البيان يتضح معنى قوله ومعنى الآية على الأول لا تجعلوا اللّه حاجزا لما حلفتم ومعنى الحاجز معنى عرضة بما ذكره الزمخشري قوله لما حلفتم إشارة إلى أن الإيمان بمعنى المحلوف عليه « 1 » ثم صرح به وأوضحه بقوله فيكون المراد الخ ثم أيد استعماله بقوله « 2 » عليه السّلام استظهارا به لما قدمه ورجحه في معنى ومانعا منه تقول فلان عرضة دون الخير والعرضة أيضا المعرض للأمر قال :
فلا تجعلوني عرضة للوائم
ومعنى الآية على الأولى أن الرجل كان يحلف على بعض الخيرات من صلة الرحم وإصلاح ذات بين أو إحسان إلى أحد أو عبادة ثم يقول أخاف اللّه أن أحنث في يميني فيترك البر إرادة البر في يمينه فقيل لهم ولا تجعلوا اللّه عرضة لأيمانكم أي حاجزا لما حلفتم عليه وسمي المحلوف عليه يمينا لتلبسه باليمين كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لعبد الرحمن بن سمرة إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك أي على شيء مما يحلف عليه وقوله
أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا
[ البقرة : 224 ] عطف بيان لأيمانكم أي للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والإصلاح بين الناس ثم قال فإن قلت بم تعلقت اللام في لأيمانكم قلت بالفعل أي ولا تجعلوا اللّه لايمانكم برزخا وحجازا ويجوز أن يتعلق بعرضة لما فيها من معنى الاعتراض بمعنى لا تجعلوه شيئا يعترض البر من اعترضني كذا ويجوز أن يكون اللام للتعليل ويتعلق أو تبروا بالفعل أو بالعرضة أي ولا تجعلوا اللّه لأجل ايمانكم عرضة لأن تبروا ومعناها على الأخرى ولا تجعلوا اللّه معرضا لايمانكم فتبتدلوه بكثرة الحلف ولذلك ذم من أنزل فيه ولا تطع كل حلاف مهين بأشنع المذام وجعل الحلاف مقدمهما وأن تبروا علة للنهي أي إرادة
أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا
لأن الحلاف مجترىء على اللّه غير معظم له فلا يكون برا متقيا ولا يثق به الناس فلا يدخلونه في وساطتهم واصلاح ذات بينهم إلى هنا كلام الكشاف فإن قيل لما كان معنى الآية على هذه اللغة لا تكثروا الحلف باللّه لأن تبروا وتتقوا ويعتمد عليكم الناس فتصلحوا بينهم فأي حاجة إلى تقدير الإرادة قلنا إنما قدر ليتحقق شرط حذف اللام وهو المقارنة في الوجود فإن المقارن للنهي ليس هو البر والتقوى والإصلاح بل إرادتها على أن حذف اللام لو حمل على القياس المستمر في حذف حرف الجر مع أن لم يحتج إلى تقدير الإرادة ثم ظاهر كلامه أن المراد بهذه الإرادة إرادة اللّه تعالى فإنها علة النهي أي نهاكم اللّه تعالى عن تكثير الحلف لإرادتها قيل ويجوز
هامش
( 1 ) مجازا بذكر المتعلق وإرادة المتعلق به ولما كان المحلوف عليه حاجزا بواسطة تعلق اليمين به اختير المجاز . ( 2 ) وفي إيراد هذا الخبر الشريف تنبيه لطيف على أنه موافق لما فهم من الآية وهو النهي عن جعل اللّه تعالى حاجزا من فعل الخيرات وتأييد ما اختاره وهذا من بدائع البيان واللّه المستعان .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 226 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر