تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
المتكثرة ما فعلوا بها فإنا آتيناهم آيات كثيرة ناطقة بالحق فيكون جملة كم آتيناهم مستأنفة لا محل لها من الإعراب جارية مجرى التعليل وفي هذا من التوبيخ ما لا يوجد في الاستفهام فما قاله أبو حيان من أن في جعل كم خبرية اقتطاع للجملة التي فيها من جملة السؤال ويصير الكلام معلقا عما قبله وأنت ترى أن مصب السؤال على هذه الجملة فضعيف لأن ما ذكره بناء على أن كم استفهامية فجعل كم استفهامية إن كان بناء على ما ذكره يلزم شائبة الدور . قوله : ( أو استفهامية ) أخره لما ذكرناه من أن التقريع والتبكيت أقوى في الخبرية وأيضا أنه ذكر بعض المحققين « 1 » من النحاة أن مميزكم الاستفهامية لم أعثر عليه مجرورا بمن في نظم ولا نثر ولا دل على جوازه كتاب من كتب النحو كما في المطول ولعله راجح عند المص وعن هذا قدم احتمال الخبرية وظهر منه أيضا ضعف ما قاله أبو حيان وأيضا ما قاله النحرير في المطول تعريضا لبعض المحققين واقتباسا وأقول :
سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ
ليس بتام لأن بعض المحققين لم يسلم كون كم في قوله تعالى :
سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ
استفهامية والشيخ الزمخشري والمص جوزا كونها استفهامية على الاحتمال والاحتمال لا حجة على غيره . قوله : ( مقررة ) وللتقرير معنيان الحمل على الإقرار وبمعنى التحقيق والتثبيت والأول هو المقصود هنا وأشار به إلى أن الاستفهام ليس على حقيقته بل للتقرير بمعنى حمل المخاطب على الإقرار وقد سبق منه أن المراد بهذا السؤال تقريعهم فيفيد أن الاستفهام للإنكار إلا أن يقال إن الإقرار بهذا المعنى قد يفيد التوبيخ . قوله : ( ومحلها النصب على المفعولية ) أي محل كم سواء كانت خبرية أو استفهامية محلها النصب الخ وكل ما يقع بعده فعل غير مشتغل عنه بضميره فالأجود النصب على أي آياته يعني المراد بنعمة اللّه هنا الآيات البينات التي أوتيت إياهم إرشادا لهم وهدى لهم إلى ما يوصل إلى النعيم المقيم فالنعمة هنا مجاز حيث اطلق لفظ المسبب على السبب فنعمة اللّه ههنا مظهر موضوع موضع المضمر من غير لفظ السابق للإشعار بتعظيم الآيات وتعليل قبح فعلهم بكفران تلك النعمة العظمى وهو تبديلهم إياها قوله بجعلها سبب الضلال هذا ناظر إلى أن يراد بالآية في قوله عز وجل :
كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ
[ البقرة : 211 ] معجزة أظهرها اللّه تعالى على أيدي أنبيائه وعلى هذا يكون المراد بالتبديل تبديل الصفات والذات واحدة فهو كما في قولك بدلت الحلقة خاتما فإن شأن تلك المعجزات أن تكون سبب الهدى والنجاة وهم عكسوها فجعلوها سبب الضلال والهلاك وقوله أو بالتحريف ناظر إلى أن يراد بالآية المذكورة آيات الكتب المنزلة وعلى هذا المراد بالتبديل تبديل الذات على نحو بدلت الدراهم بالدنانير ففي كلامه هذا لف ونشر .
هامش
( 1 ) وهو الشيخ الرضي نجم الدين .