تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
بقرينة قوله
فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى
[ البقرة : 197 ] وإنما قدر لمعادكم لأنه المناسب للتقوى وإشارة في أول الأمر إلى ضعف ما قيل ولذا قدم لمعادكم على التقوى مع أنه مفعول به فعلى هذا فقوله تزودوا استعارة تبعية إذ التقوى في الشرع التجنب عن كل ما يؤثم وهو يستلزم التعبد بالأعمال الحسنة فشبه التعبد المذكور بالزاد في كونه سببا للحياة الباقية والزاد سبب للحياة « 1 » الفانية ولكونها في الفعل صارت تبعية قوله فإنه خير زاد أشار به إلى أن النظم محمول على العكس إذ جعل التقوى محكوما عليه مع أنه في النظم محكوم به وجه ذلك أن كون التقوى خير زاد غير معلوم للسامع فالمقصود إفادة ذلك وأيضا قوله
فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى
[ البقرة : 197 ] علة لقوله
وَتَزَوَّدُوا
[ البقرة : 197 ] ومعناه كما عرفته وتزودوا التقوى فالمناسب في التعليل ما ذكره وإنما عكس ذلك في النظم الكريم لأن الأهم هناك خير الزاد ولذا قيل أخرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر للمبالغة لأنه حينئذ يكون المعنى أن الشيء الذي بلغك أنه خير الزاد وأنتم تطلبون تعينه التقوى فيفيد اتحاد خير الزاد بالتقوى انتهى . وهذا البيان جيد لو كان هذا من قبيل وأولئك هم المفلحون وليس كذلك فالكلام محمول على القلب لتضمنه اعتبارا لطيفا بمثل ما مر « 2 » . قوله : ( وقيل نزلت في أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون ويقولون نحن متوكلون فيكونون كلا على الناس فأمروا أن يتزودوا ويتقوا الإبرام في السؤال والتثقيل على الناس ) ولا يتزودون فالمراد بالزاد حينئذ معناه الحقيقي الدنيوي وبالتقوى المعنى اللغوي وهو الاحتراز عن السؤال هنا قوله ويتقوا الإبرام في السؤال الخ . إشارة إلى ما ذكرنا وكلا بفتح الكاف والتشديد الثقل والإبرام الإلحاح مرضه لأن المتعارف التقوى الشرعي ولا داعي إلى الذهاب إلى المعنى اللغوي وأنه شامل لما قيل فإن الاحتراز عن الإبرام في السؤال من جملة التقوى الشرعي وما رواه القيل أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما لكنه لكونه خبر الآحاد لا يقاوم ما ظهر من النظم الجليل وقد عرفت أن مختار المص شامل له أيضا فلا وجه للتخصيص به والعدول عن المعنى الشرعي للتقوى .
هامش
( 1 ) فمطلق الحياة جامع مشترك بينهما . ( 2 ) وفي المطول قال الشيخ في دلائل الإعجاز اعلم أن للخبر المعرف باللام معنى غير ما ذكر دقيقا مثل قولك هو البطل الحامي لا تريد أنه البطل المعهود ولا قصر جنس البطل عليه مبالغة ونحو ذلك بل تريد أن تقول لصاحبك هل سمعت بالبطل الحامي وهل حصلت معنى هذه الصفة وكيف ينبغي أن يكون الرجل حتى يستحق أن يقال ذلك له وفيه فإن كنت تصورته حق تصوره فعليك بصاحبك فإنه لا حقيقة له وراء ذلك انتهى وهذا القائل يريد بذلك الإشارة إلى ما ذكره الشيخ وقد عرفت أن ما نحن فيه ليس من هذا القبيل لأن قوله فإنه خير زاد الخير نكرة إلا أن يقال إن كلامه في النظم الجليل والخبر ظاهرا محلى باللام فتأمل .