تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
فيهما بمعنى ليس فيهما حملا الأولين على معنى النهي مثل من عداهما ولذا قال على معنى لا يكونن رفث ولا فسوق والثالث أي وقرأ ابن كثير وأبو عمرو لا جدال بالفتح على أن لا لنفي الجنس وهو ليس بمعنى النهي كأخويه بل باق على معنى الإخبار بانتفاء الخلاف كأنه قيل ولا شك ولا خلاف في الحج أي أخبر اللّه تعالى بعد ما أمر الكل بوقوف عرفة أنه قد ارتفع الخلاف في الحج وأمر الكل بوقوف عرفة في قوله تعالى :
ثُمَّ أَفِيضُوا
[ البقرة : 199 ] الآية سيشير إليه المص فالظاهر أن قوله تعالى :
ثُمَّ أَفِيضُوا
[ البقرة : 199 ] نزوله مقدم على نزول قوله تعالى :
فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ
على هذا المعنى . قوله : ( وذلك أن قريشا كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام ) وسائر العرب يقفون بعرفة وكانوا يقدمون الحج سنة ويؤخرون سنة وهو النسيء فرد إلى وقت واحد ورد الوقوف إلى عرفة واستدل على أن المنهي عنه الرفث والفسوق دون الجدال بقوله عليه السّلام من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج كهيئة يوم ولدته أمه كذا في الكشاف ولا يخفى ضعفه لأن المراء منهي عنه لقوله تعالى :
فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً
[ الكهف : 22 ] الآية فيكون قبيحا في نفسه ففي الحج يكون أقبح وعدم الذكر في الحديث الشريف لا يدل على عدم النهي وهو ظاهر . قوله : ( فارتفع الخلاف بأن أمروا أن يقفوا أيضا بعرفة ) بقوله تعالى :
ثُمَّ أَفِيضُوا
[ البقرة : 199 ] الآية كما مر بيانه آنفا حث على الخير إذ المراد بعلم اللّه الخير الجزاء عليه لم يذكر الجدال وما ذكره المص من وجه إبقاء الثالث على الإخبار عن الانتفاء قول مالك في الموطأ أن الجدال في الحج أن قريشا كانوا يقفون عند المشعر الحرام في المزدلفة بقزح وكان غيرهم يقف بعرفات وكانوا يتجادلون يقول هؤلاء نحن أصوب ويقول هؤلاء نحن أصوب وقال اللّه تعالى
لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ * وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ
[ الحج : 67 ، 68 ] قال مالك هذا هو الجدال فيما يرى واللّه أعلم قال الإمام الحكمة في أن اللّه تعالى ذكر هذه الألفاظ الثلاثة لا أزيد ولا أنقص وهي قوله
فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ
[ البقرة : 197 ] هي أنه قد ثبت في العلوم العقلية أن الإنسان فيه قوى أربع شهوانية بهيمية وقوة غضبية سبعية وقوة وهمية شيطانية وقوة عقلية ملكية والمقصود من جميع العبادات قهر للقوى الثلاث أعني الشهوانية والغضبية والوهمية فقوله
فَلا رَفَثَ
[ البقرة : 197 ] إشارة إلى قهر القوة الشهوانية وقوله
وَلا فُسُوقَ
[ البقرة : 197 ] إشارة إلى قهر القوة الغضبية التي توجب المعصية والتمرد وقوله
وَلا جِدالَ
[ البقرة : 197 ] إشارة إلى قهر القوة الوهمية التي تحمل الإنسان على الجدال في ذات اللّه وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه وهي الباعثة للإنسان على منازعة الناس ومماراتهم والمخاصمة معهم في كل شيء فلما كان الشر محصورا في هذه الأمور الثلاثة لا جرم قال
فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ
[ البقرة : 197 ] أي فيمن قصد معرفة اللّه ومحبته والاطلاع على نور جلاله والانخراط في سلك الخواص من عباده وهذه أسرار نفيسة وهي المقصد الأقصى من هذه الآيات فلا ينبغي أن يكون العاقل بمنأى عنها ، ومن اللّه التوفيق في كل الأمور .