ذلك استعمال الواو بمعنى أو في بعض الأحيان عبر عنه بقوله أن لا يتوهم الخ للإشارة إلى كمال وهنه وهذا التوهم يجري في كل موضع استعمال الواو مع أنه لا يلتفت إليه أصلا .
قوله : ( كقولك جالس الحسن وابن سيرين ) المشهور المتداول جالس الحسن أو الرجوع أن يكمل صيام سبعة أيام على معنى أنه يحسن من هذه السبعة تلك الثلاثة المتقدمة حتى يكون الباقي عليه بعد الرجوع من الحج أربعة سوى تلك الثلاثة المتقدمة ويحتمل أن يكون المراد منه أن يكون الواجب بعد الرجوع سبعة سوى تلك الثلاثة فهذا الكلام محتمل لهذين الوجهين فإذا قال بعده تلك عشرة كاملة زال هذا الاحتمال وتبين أن الواجب بعد الرجوع سبعة سوى تلك الثلاثة المتقدمة الوجه التاسع أن اللفظ وإن كان خبرا لكن المعنى أمر والتقدير فلتكن تلك الصيامات صيامات كاملة لأن الحج المأمور به حج تام كما قال
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
[ البقرة : 196 ] وهذه الصيامات جبرانات عن الخلل الواقع في ذلك الحج فليكن هذه الصيامات صيامات كاملة حتى تكون جابرة للخلل الواقع في ذلك الحج الذي يجب أن يكون تاما كاملا والمراد بكون هذه الصيامات كاملة ما ذكرنا في بيان كون الحج تاما وإنما عدل عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر لأن التكليف بالشيء إذا كان متأكدا جدا فالظاهر دخول المكلف به في الوجود فلهذا السبب جاز أن يجعل الإخبار عن الشيء بالوقوع كناية عن تأكد الأمر به ومبالغة الشرع في ايجابه الوجه العاشر أنه سبحانه لما أمر بصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد الرجوع من الحج فليس في هذا التقدير بيان أنه طاعة عظيمة كاملة عند اللّه سبحانه فلما قال بعده تلك عشرة كاملة دل ذلك على أن هذه الطاعة طاعة في غاية الكمال وذلك لأن الصوم مضاف إلى اللّه بلام الاختصاص على ما قال الصوم لي والحج أيضا مضاف إلى اللّه تعالى بلام الاختصاص على ما قال
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
[ البقرة : 196 ] وكما دل النص على مزيد اختصاص لهاتين العبادتين باللّه سبحانه فالعقل دل أيضا على ذلك أما في حق الصوم فلأنه عبادة لا يطلع العقل البتة على وجه الحكمة فيها وهو مع ذلك شاق على النفس جدا فلا جرم لا يؤتى به إلا لمحض مرضات اللّه تعالى والحج أيضا عبادة لا يطلع العقل على وجه الحكمة فيها وهو مع ذلك شاق جدا لأنه يوجب مفارقة الأهل والولد ويوجب التباعد عن أكثر اللذات فلا جرم لا يؤتى به إلا لمحض مرضات اللّه تعالى ثم إن صوم هذه الأيام العشرة بعضه واقع في زمان الحج فيكون جمعا بين شيئين شاقين جدا وبعضه واقع بعد الفراغ من الحج وهو انتقال إلى شاق من شاق ومعلوم أن ذلك سبب لكثرة الثواب وعلو الدرجة فلا جرم لما أوجب اللّه تعالى صيام هذه الأيام العشرة شهد سبحانه على أنه عبادة في غاية الكمال والعلو فقال تعالى
عَشَرَةٌ كامِلَةٌ
[ البقرة : 196 ] فإن التنكير في مثل هذا الموضع يدل على تعظيم الحال فكأنه
تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ
[ البقرة : 196 ] وآية كاملة فقد ظهر بهذه الوجوه العشرة اشتمال هذه الكلمة على هذه الفوائد النفيسة وسقط بهذا طعن الملحدين عن هذه الآية والحمد للّه رب العالمين إلى هنا كلام الإمام وجه سقوط طعن الملاحدة عن هذه الآية بالوجوه العشرة المذكورة ظاهره وطعنهم هو ما قالوا إن من المعلوم بالضرورة أن الثلاثة والسبعة عشرة فذكره يكون إيضاحا للواضح وأن قوله
كامِلَةٌ
[ البقرة : 196 ] يوهم وجود عشرة كاملة في كونها عشرة وذلك محال وفي الكشاف فائدة هذه الفذلكة أن الواو قد تجيء للإباحة في نحو قولك جالس الحسن وابن سيرين ألا ترى أنه لو جالسهما جميعا وواحدا منهما كان ممتثلا ففذلكت نفيا لتوهم الإباحة وأيضا ففائدة الفذلكة في كل حساب أن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلا ليحاط به