تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
ويتوسط ذلك ترقي الروح والعقل إلى مرتبة الأوج وعبر عن ذلك بتعلم تلك المرأة منهما الاسم الأعظم وأريد بصعودها إلى السماء رجوعها إلى ربها راضية مرضية وبمسخها نجما صيرورتها نورانية والمراد من استمداد الملكين من إدريس عليه السّلام استمداد الروح والعقل المبتلين بتعلق البدن من صفة الرحمانية والغفرانية لأن الأنبياء عليهم السّلام رحمة من اللّه على عباده والسبب للمغفرة وخص إدريس من بينهم لكثرة درسه إذ روي أنه تعالى أنزل عليه ثلاثين صحيفة وأنه أول من خط بالقلم الذي يحصل به نظام العالم ونظر في علم النجوم « 1 » والحساب « 2 » وأريد بمنعهما عن السماء وبكونهما محبوسين في بئر بابل ابتلاء الروح والعقل بجوف البدن السفلي فإنهما مودعان في جزأين كائنين في جوف البدن وكون البئر ببابل إشارة إلى أن ما يشبه البئر متحقق في الفطرة الإنسانية وهو جوفه كما عرفته وتخصيص بابل لأن أرض بابل تسمى الآن خطة بغداد صارت بعد ظهور الدولة الإسلامية دار الخلافة وآدم خليفة اللّه في أرضه وكذا أولاده إلى قيام الساعة ولعل الأوائل الذين هم أصحاب الرموز واللطائف اطلعوا بفراستهم ورياضتهم أو بأرصادهم على كونها دار السلطنة والخلافة في الزمان الآتي فاختاروا في رموزهم تلك البلدة وكونهما معذبين إلى يوم القيامة إشارة إلى ابتلائهما بالكدورات البشرية إلى الموت فإنهما محبوسان في قفص البدن إلى مفارقتهما عنه وهو الموت فإنهما يتخلصان عن ذلك الحبس بالموت « 3 » كما يتخلص الملكان عن الحبس بالقيامة الكبرى فيعودان إلى روضة ونعيم وإلى سرور دائم ومنزل كريم ومن هذا التقرير اتضح أن حمل عذابهما على الحبس في بئر بابل أولى من أن يقال فأوحى اللّه تعالى إليهما أن ائتيا بابل فخسف بهما فهما منكوسان بين السماء والأرض يعذبان إلى يوم القيامة ومع ذلك حله على تقدير الرموز يفهم من التقرير المذكور قيل « 4 » وللصوفيين أن يأولوا شربهما الخمر بتكيف الروح والعقل بالعشق « 5 » الإلهي ووقاعهما بها اشتغالهما بالعمل الذي ينتج الولد القلبي وقتلهما النفس بإفناء الوجود ويعبر عنه بالفناء في اللّه وسجودهما للصنم بوصولهما إلى الحقيقة المحمدية التي هي غير الذات من وجه مع مناجاتهما لها وتعلمها منهما الاسم الأعظم بوصول النفس بإعانة الروح والعقل إلى مرتبة علم اليقين وهي مشاهدة « 6 » جميع الأشياء على ما هي عليه دفعة واحدة وصعودها إلى جانب السماء بوصولها إلى مرتبة عين اليقين وهي مشاهدة جميع الأشياء مع مفيضها ووصولها إلى السماء بوصولها إلى مرتبة حق اليقين وهو التلاقي بالمفيض ويعبر عنه بالبقاء
هامش
( 1 ) الذي يعرف به أوقات الصلاة والقبلة . ( 2 ) الذي يعرف به تقسيم المواريث والانصباء ومقادير الأعداد التي تكثر جدا . ( 3 ) الأولى والمراد بقتلهما قتل القوة الشهوية التي هي حاصرة عند كل أحد . ( 4 ) إلا على شربهما الخمر مأول بتكيف الروح والعقل بالمعارف الإلهية . ( 5 ) يضربان بسياط الحديد إلى قيام الساعة قاله أبو السعود . ( 6 ) أي أن جميع الأشياء تكون مشاهدة دفعة واحدة فوجوده ما دامت النفس في جلبان البدن منظور فيه بل صرح العلماء بخلافه .