قوله : ( فمعناه على الأول ) أي على كونهما ملكين ( وما يعلمان أحدا ) أسقط لفظة من لما ذكرنا من أنه يفيد التأكيد دون نفس الاستغراق ( حتى ينصحاه ) قبل التعليم ( ويقولا له ) هذا القول منهما هو النصح له لا شيء مغاير له كما يوهمه العطف بل عطف تفسير له فعدم تعليمهما إياه للنصح فإذا تحقق النصح المذكور يوجد التعليم منهما فمفهوم الغاية معتبر اتفاقا لكن عندنا بطريق إشارة النص عند الشافعي بطريق مفهوم المخالفة صرح به النحرير في التلويح في بحث التعارض والترجيح والمعنى فيعلمانه بعد النصح والإيقاظ
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما
[ البقرة : 102 ] الآية .
قوله : ( إنما نحن ابتلاء ) أشار إلى أن الفتنة الامتحان والاختبار ولكونها في الأصل مصدرا جعلت مفردة مع أن المحكوم عليه مثنى وحمله عليهما مواطأة للمبالغة كرجل عدل والقصر المستفاد من إنما يفيد زيادة تلك المبالغة ولكونه قصر الموصوف على الصفة لا يكون القصر إضافيا أي وما شأننا في ذلك التعليم إلا الامتحان لا التعليم لبيان جواز العمل به ومن قال والقصر لبيان أنه ليس لهما فيما يتعاطيانه شأن سواها لينصرف الناس عن تعلمه فقد أراد به قصرا حقيقيا ادعائيا لا حقيقا فمآله يرجع إلى ما ذكرناه قوله ( من اللّه ) أي مأذونين من طرف اللّه تعالى أو مأمورين أو منصوبين منه تعالى لا برأي منا قوله ( فمن تعلم منا ) بيان كونهما امتحانا منه تعالى ( وعمل به كفر ) لأن فيه تكلما بالكلمات وأفعالا تؤدي إلى الكفر كما سبق توضيحه في قوله والسحر ما يستعان في تحصيله الخ لا المطلق ( ومن تعلم وتوقى عمله ) وحفظ نفسه عن العمل به وإنما تعلمه ليعلم الصادق من الكاذب والساحر من النبي ( ثبت على الإيمان فلا تكفر لاعتقاد جوازه والعمل به ) فلا يضر تعلمه لمخالفة الإذعان كما سبق من المصنف حيث قال تمييزا بينه وبين المعجزة أو اتخذه ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله ومن هذا قيل عرفت الشر لا للشر بل لتوقيه .
قوله : ( وفيه دليل على أن تعلم السحر وما لا يجوز اتباعه غير محظور ) بل قد يكون قوله : فمعناه على الأول أي على أن ما في وما انزل موصولة صرف رحمه اللّه معنى فتنة على الوجه الأول إلى ظاهره من معنى المصدر وعلى الثاني إلى معنى المفعول فوجه ذلك أن إنزال السحر عليهما على الأول متحقق ثابت وليس ذلك الإنزال إلا لحكمة ابتلاء الناس وامتحانهم ليتميز به من تعلمه وعمل به وكفر ممن يتعلمه ولا يعمل به ولا يكفر وعلى الثاني منفي لكنهما داخلان في جملة الذين كفروا يعلمون الناس السحر وحينئذ يكونان من المفتونين بالكفر وعمل السحر ولذا قال في تفسير الآية على الوجه الثاني إنا مفتونان فلا تكن مثلنا فلا نكفر على الأول نهى عن عمل السحر على سبيل الكناية لما أن الكفر لازم عمل السحر فتوسل بالنهي عن اللازم إلى النهي عن الملزوم والمعنى فلا تعمل عمل السحر فتكفر وعلى الوجه الثاني نهى عن ارتكاب الكفر نفسه فتكون لا تكفر حقيقة مستعملة في معناها مرادا قصدا أصليا .
قوله : وفيه دليل على أن تعلم السحر وما لا يجوز اتباعه غير محظور وجه دلالة الآية حينئذ على ذلك المعنى إفادتها معنى أن من تعلم السحر ولم يعمل به ثبت على الإيمان ولا يكفر على ما